Name

حكاية سلمى، والراديو، وقفزات عبر التاريخ

للكاتبة شهد حكيم

Name

سلمى.. امرأة تسللت إلى سطح التاريخ. أقول سطحه لا عمقه، لأنها نظرت إليه من الأعلى، وغيرته بتلك النظرة. النظرة التي صنعت بها من نفسها ممثِّلة متقمصة لشخصيات تعيد من خلالها سرد مختلف للتاريخ. بكل دهاء المرأة، وقدراتها على الإقناع.

من خلال الراديو -الكاذب دومًا و أبدًا- نعرف كل ذلك.

منذ أن ابتدأ خلق العالم، بدأت كتابة الوقائع التي تتحول مع الوقت إلى تاريخ على الورق. دائمًا هناك نقطة توقفت عندها الحقائق. وبدأ الجميع بعدها بصناعة كذباته الخاصة. المؤرخين، مهما كانت صحة أقوالهم، إلا أنهم أيضًا بشر. وتضم رواياتهم أكذوبات كما هي كل الروايات المكتوبة.

تبدأ القصة بدخول الإبن سليم على أمه في يوم الجمعة. يتبادلون التحايا والسؤال عن الحال. تتنهد سلمى التي أصبحت عجوزًا الآن:

"سلمى: في الثمانين. ألا يكفي المرء صحة أن يظلّ على قيد الحياة؟

يتظاهر ابنها بالجزع:

- في الثمانين؟! لم تبلغي السبعين بعد، يا أم سليم. أم تريدين أن يكبر سليم معك؟

ترد عليه:

- في السبعين. أو في الثمانين. أو في التسعين. ما الفرق؟

الحركة صعبة. والذاكرة ضعيفة. والنوم متقطّع. والدنيا تغيّرت. والأصدقاء قلّوا. والأدوية كثرت. والحمدلله على كل حال".

Name

ربّما يكون العجز الجسدي كل هذا، وأكثر. فمتاعب الجسد تزيد مع تزايد العمر بطبيعة الحال. لكن ربما نحن الأكثر شبابًا والأشد قوة عاجزون أيضًا عن التفكير بصورة مغايرة أو بصورة غير مألوفة. وليست سلمى هي التي عجزت عن ذلك.

بالطبع، أنا لا أزعم أنها سردت الأحداث كما حصلت تمامًا. فمن المستحيل أن نتأكد من جريان الأحداث، لكنها فكرت، وهذا وحده يخرجها من دائرة العجز.

فكرت كيف سيكون دورها كمتنبئة بأحداث من الممكن أن تدمر بلدتها الأثيرة. فكرت كيف تكون مناضلة يتمجّد اسم أمتها عبر التاريخ. وفكرت كيف تُلهم، وتصنع روائع أدبية على يد أفضل شعراء الزمان. قصة سلمى هي قصة الحقيقة الزائفة، كما هي حكايا التاريخ.

أبدع غازي القصيبي رحمه الله في هذه الملحمة التاريخية المتخيلة. أي أنه استحدث مزيجًا يجمع بين سخرية الماضي و آلام الحاضر. رواية هزلية، ذكية، مبتكرة، ولن تقرأ مثلها في أي كتاب آخر. قصيرة إلى الحد الذي يجعلك تنهيها في ساعة واحدة وربما أقل، لكنها سترافقك في كل ساعات عمرك. ولمَ العجب؟ "أليس التاريخ هو الحاضر الوحيد؟".