التشجير بحسب ويكيبيديا، هو “زراعةُ غاباتٍ وغطاءٍ نباتي في مناطقَ لم تكن بها نباتات مسبقًا”. وهو مسارٌ اتخذته العديدُ من الدول للحدِ من آثارِ التلوثِ والتغيراتِ المناخية التي يَشهدُها الكوكبُ مؤخرًا.

ما يُعطيه الغطاءُ النباتي من فوائدَ يجعلني أقفُ في حيرةٍ أمامَ من يسعون لإزالته. فشبه الجزيرةِ العربيةِ والمملكة العربية السعودية تحديدًا من أكثر المناطق حاجةً للغطاء النباتي. ولكننا نرى أشجارِها البرية تُزال وما يُزرعُ داخل مدنها يُقزم في خطوةٍ يدّعي صانِعوها الجمال.

ورغم تطور وسائل الريّ واكتشافَ العديد من النباتات التي تتلاءم ظروف نموها مع مناخ وتربة السعودية، إلا أن الغطاءَ النباتي بدأ بالتراجع في السنين الماضية. فعند مقارنة المدن السعودية في الثمانينات مع ما نراه اليوم نرى تراجعًا ملحوظاً في المساحات الخضراء، وهو أمرٌ خطير يجعل من العيش في مُدننا الصحراوية الحارة أشدُ صعوبة.

فلا وجود لأشجار تظلل الطرق ولا لنباتات تلطفُ الأجواء، أو تُنقي الهواء من التلوث فتتطرف تبعًا لذلك درجات الحرارة صيفًا وشتاءً.

abumalih_2016-%d9%8a%d9%88%d9%86%d9%8a%d9%88-15 abumalih_2016-%d9%8a%d9%88%d9%86%d9%8a%d9%88-15-1

القاتل الصامت

وكنتيجة لما يُعانيه كوكبنا من تلوث، ظهرت ظاهرة التصّحر. وهو تدهورُ المناطق شبهُ الجافة أو شبهُ الرطبة مما يُؤدي إلى فُقدان الحياة النباتية والتنوع الحيوي في تلك المناطق.

وتنوعت أسباب التصّحر ما بين أسبابٍ طبيعية مثل قلةِ هطول الأمطار، وبين أسبابٍ من صُنع يد الإنسان، كإزالة الغطاء النباتي وزيادة التوسع العمراني وهي الأكثر تأثيرًا بطبيعة الحال. الأمر الذي زاد من كميات المياه المُتبخرة من التربة تاركةً الأرض جافةً صلبة غير صالحة للزراعة. رافعةً من نسبة حدوث العواصف الرملية والتي أصبحت تعاني منها المملكة مؤخرًا.

يرى البروفسور بيرس سيلرز وهو مدير شعبة علوم الأرض في وكالة ناسا الأميركية أن الاحتباس الحراري الذي نعيشه اليوم سيجعل من المناطق الحارة والجافة في منطقة الشرق الأوسط  وشبه الجزيرة العربية مناطق أكثر حرارةً وجفافًا في السنواتِ القادمة. وللحد من هذا الارتفاع المتزايد في درجات الحرارة، والذي قد يقود لجفاف المياه في المنطقة، يجبُ العملُ على زيادةِ الغطاء النباتي والمُسطحاتِ الخضراء التي تعمل على تخفيف درجات الحرارة العالية وترطيب التربة والأجواء، لننعم بمدن أقل تلوثًا وأكثرَ صحة.

الاحتطاب إحدى أكثر الطرق تدميرًا للغطاء النباتي في المملكة

ويُعدّ الاحتطاب إحدى أكثر الطرق تدميرًا للغطاء النباتي في المملكة. ورغم منع وزارة الزراعة للاحتطاب المحلي أو بيعه نهائيًا واعتباره جريمة تُوجب العقاب، وفتحها في المُقابل الباب لاستيراد الحطب من الخارج ودعمها للتجار المستوردين للحطب بقروضٍ ومعوناتٍ مالية. إلا أن كثير من الناس ما زالوا مستمرين في الاحتطاب بعيدًا عن أعين السُلطات.

وهذا ما يُوضِح غياب الوعي بمخاطر التصحّر الذي تعيشه المملكة. ومع ذلك مازال هناك العديد ممن يرى أن الحفاظ على البيئة والتشجير لتكثيف الغطاء النباتي ومنع الاحتطاب ما هو إلا شكلٌ من أشكالِ الترف متجاهلين خطورة ما نمرُ به من تلوثٍ قد يكون أشدُ فتكًا بنا من الحروب والإرهاب.

إقرأ أيضًا: السعودية تضر البيئة والاقتصاد

وفي مُبادرات جميلة من بعض بلديات المناطق لتشجير المدن عبر زراعة الأشجار والنباتات على الأرصفة الإسمنتية وعلى جوانب الطُرقات. إلا أن هذه المبادرات لم تُعطي النتائج المُتوقعة. والسببُ يعود لتقزيم الأشجار والنباتات المزروعة في محاولة لجعلها أكثر جمالًا وهو ما زاد الأمر سوءًا. فتقزيم الأشجار يقتلُ العديد من فوائدها المرجوة فلا توجد ظلال تظلل الشوارع ولن تستطيع هذه الشجيرات تلطيف الأجواء أوصد الرمال ولا حتى امتصاص الضوضاء وهو ما تتمتع به المدن المُشجَرَة.

المبادرات البيئية

فقد أصدرت وزارة الزراعة في المملكة متمثلة في وكالة الشؤون الفنية دليلًا زراعيًا ليكونَ مرجعاً هاماً للعاملين في مجال التشجير والحدائق والمشاتل في الأمانات والبلديات في مختلف مناطق المملكة. حيث يقوم هذا الدليل بالتعريف بصورة عامة بالمناطق البيئية المختلفة للمملكة، والأنواع النباتية الهامة التي  تقاوم الظروف البيئية القاسية وعوامل المناخ والتربة. بالإضافة إلى تحديد الأنواع والأصناف النباتية المزروعة في المناطق البيئية المختلفة للمملكة.

مما أظهر وجود أكثر من 200 نبتة محلية يمكن زراعتها دون بذل جهد في توفير البيئة المُلائمة لنموها. ويُقسمها الدليل إلى عدة فئاتٍ منها:

  • النباتات المقاومة لدرجات الحرارة العالية
  • النباتات المقاومة للأدخنة والغبار
  • النباتات المقاومة للحر والعطش
  • النباتات المتحملة للملوحة العالية

والقائمة تطول  من الفئات التي يتعذر طرحها لكثرة عددها. كما شمل الدليل أيضًا التعريف بالنباتات غير المرغوب في زراعتها وأهم أنواع النباتات السامة في المملكة وذلك ليسهل على الفرد العادي التعرف عليها وخاصة أنواع النباتات السامة وتميزها عن غيرها بشكلها الظاهري، وتحديد أنواعها ومدى ضررها ودرجة سميتها وتحديد الجزء السام منها.

cmfwd7zwyaizvlx

هذه الصورة تمثّل جهود الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض. فعندما لا يكون للأعذار مكان، نستطيع أن نجعل الرياض خضراء.

كما ظهرت العديد من الجمعيات البيئية غير الربحية المعنية بتوعية المواطنين والمقيمين بأهمية التشجير والغطاء النباتي في المُدن. حيثُ تتبنى هذه الجمعيات العديد من حملات التشجير داخل المدارس والجامعات مؤمنين بفوائد الغطاء النباتي الأخضر وما يتركهُ من بهجةٍ في النفس وسرورٍ عند النظر إليه.

وصلت أعداد الأشجار في مدينة نيويورك إلى 685,781 شجرة

abumalih-2016-11-07-%d9%81%d9%8a-3-41-17-%d9%85

وفي دراسة نشرتها إحدى منظمات حماية البيئة العالمية، تبيّن أن زراعة الأشجار تُعد الطريقة المُثلى والأقل تكلُفةً للحد من تلوث الهواء وتحسين درجات الحرارة صيفًا وشتاءً. الأمر الذي جعل الكثير من المدن الأجنبية تتنبه لأهمية الغطاء النباتي. ففي نيويورك وحدها وصلت أعداد الأشجار إلى 685,781 شجرة والعدد في ازدياد.

بيئتُنا الصحراوية لا تعني بالضرورةِ العيشَ في مدنٍ قاحلة. فقد خلق الله لكلِ بقعةٍ على وجه الأرض ما يُناسبها من غطاءٍ نباتي يخففُ من قساوة أجواءها ويُعززُ من جمالِ مناظرها. وقد حثنا دينُنا الحنيف على زراعة الأرض وإعمارها  وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم :” إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل”. هو تأكيد على أهمية العمل والزراعة فمهمةُ تشجير المدن لا تقتصرُ على المؤسسات والبلديات فحِفاظُنا كأفرادٍ على النباتات. وغَرسِنا للقيم البيئية الصحية في نفوسِ أطفالنا سيجعلنا نعيش مستقبلًا في مدنٍ خضراءَ صحيةٍ أقلُ تلوثًا.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.