حليب أسود – ألِف شفق

“الليل يُنجب النهار.

نستطيع بدء الحياة من جديد، في أي وقت، وأي مكان”.

– جلال الدين الرومي

أن تعيش الحياة وفي داخلك أصواتٌ لا تُحصى. صوتٌ يرشدك إلى اتجاه، والصوت الآخر يرشدك إلى اتجاه مناقض تمامًا. تقف في المنتصف عاجزًا عن اتخاذ قرارك. فكلاهما صحيح، لاشك في ذلك. لكن الاختيار اختيارك، وأنت من سيتحمل تبعاته.

ماذا لو أنك تتعرض يوميًا، بل كل لحظة في اليوم، إلى هذه الأعاصير، إلى هذا الكم الهائل من الأفكار؟ ماذا لو أن هناك لحظات تشتدّ فيها هذه الرياح. تتحول فيها من شخص طبيعي إلى شخص مهووس، مكتئب، لا يستطيع تحديد موقعه من هذا العالم؟ لا يستطيع أن يعرف إلى أين هو متجه، وأين هو خط العودة، تائه تمامًا.

(ألِف شفق) مرت بذلك، وكل امرأة على وجه هذه البسيطة، مرت بذلك أيضًا. تحكي لنا ألِف معاناتها في مرحلة اكتئاب مابعد الولادة. ولكنها تحكي أيضًا قصة الضياع. قصة التشتت الذي تعاني منه المرأة لتحمّلها كل هذا الصخب في داخلها على مر العصور. تحكي عن الأمل الذي بدأ يختبئ شيئًا فشيئًا. وتقص علينا طريقة ركضها لإشعاله من جديد.

thmnya_4753592

كان شغفها الأكبر هو عالم القصص. استحوذ عليها بالكامل. كانت ترى نفسها: “حكواتيّة”. تقول:

“ذلك ما كنتُ أحياه، وما نويت أن أُكمل عمري عليه، لو لم يحدث، بعدها، ما لم أحسب حسابه قط. حدثٌ مُعجز و مذهل:الأمومة. لقد غيّرت كل شيء. حوّلتني”.

تبدأ بعد ذلك بسماع الأصوات في داخلها. تشرح لنا ردود فعل الشخصيات المتعددة التي تتحدث في رأسها. فالمرأة الكاتبة ارتعبت من هذا الخبر. والمرأة المدنيّة بدأت تفكر بأسماء عالمية للطفل. تهلّل المرأة الصوفية إلى جوارها الخبر. أما المرأة المترحلة فلم تكون تريد سوى أن تقف على قدميها وتركض بأسرع ما تستطيع.

تصف الحالة التي انتابتها بقولها:

“عندما عصف بي اكتئاب ما بعد الولادة، قبض عليّ بقسوة دون أن يحميني أحد. كان يتمطّى أمامي كنفق مظلم لا نهاية له. أخافني و أرعب فرائصي. تعثّرتُ أثناء محاولتي عبوره، وسقطتُ أرضًا مرّات كثيرة، وتشظّت شخصيتي إلى أجزاء صغيرة جدًا حتى أنني لم أكن قادرة على لصقها معًا مرة أخرى. بيد أن التجربة ساعدتني، في الوقت نفسه، على النظر من شقٍ نحو عالم آخر، والتعرف على كل واحدة من الحريم القابعات بداخلي. وقد حملتهنّ طوال هذه السنين.

يحدث أن يكون الاكتئاب فرصة ذهبية أعطتها الحياة لنا لنواصل التقدم في أمور تعني الكثير لقلوبنا. إلا أنها ، جرّاء تسرعنا أو إهمالنا، قد أُزيحت تحت السجادة، أُخفيَت فنُسيَت”.

thmnya_58326592

صنّفتْ ألِف هذا الكتاب على فصول:

الحياة قبل الزواج

الفصل الأول:

واجهت فيه ذاتها عدة مرات. كانت تسأل نفسها و تراجع قراراتها. تكتشف أمنياتها و ترصُّ أحلامها الواحد تلو الآخر. أتت ذات مرة على موضوع الأمومة، طرحت السؤال على الآنسة (العمليّة) في داخلها: هل من الممكن أن أكون أمًا جيدة و كاتبة رائعة في نفس الوقت؟

دار بينهما حوار طويل، خرجت به ألِف بأن قالت لنفسها:

“لا أشعر بأنني أريد الشجار معها. في يدها مسطرة، وفي رأسها حشد من الخطط. هذه هي الآنسة العمليّة القصيرة، لقد اعتادت على القياس والحساب و التخطيط لكل شيء”.

هكذا كانت ألِف تحاور نفسها دائمًا. وتخوض في المناقشات والحوارات مع ذاتها -والشخصيات العديدة بداخلها- حسب مايحصل لها من مواقف في تلك الفترة. وكان هذا يجدي نفعًا بالطبع.

الفصل الثاني: رياح التغيير

القرارات المفاجئة، هي القرارات التي ستغير حياتك بأكملها.

العقل في مواجهة الجسد.

الفصل الثالث:

كان جزء (سويةٌ من الخارج) جزء مثير للاهتمام. تساءلَت فيه عن معنى (المرأة السوية) بالضبط، الصفات النسائية، وهل مقدّر على الفتيات، جينيًا. أن يكُنّ أموميات و راعيات وعاطفيات؟

الفصل الرابع: إياك أن تقول (أبدًا) أبدًا!

نقطة البدء.

الخضوع الجميل

الفصل الخامس:

أظن أن هذا الفصل هو بمثابة لُب التجربة. آخر عبارة قيلت في هذا الفصل:

“هل هذا هو ما عليه الاكتئاب: الشعور بالغرق لأن اتصالك بالله قد انقطع و قد تُركتَ وحيدًا لتطفو في فضاء مائع أسود، مثل رائد فضاء انفصل عن مركبته وانقطع عن كل ما يربطه بالأرض؟”.

الفصل السادس: عذوبة غامضة

“لا يمسي المكتئبون في مكان آخر وحسب، بل حتى علاقتهم مع الوقت تصبح مشوّهة”.

بزوغ الفجر

الفصل السابع:

تقول ألِف بعد إن تخطّت مرحلة اكتئاب مابعد الولادة:

“هذا هو، إلى حد ما، نمطي في الحياة: آخذ خطوة إلى الأمام، أتحرك، أتعثر، أقف، أعود إلى السّير، أتقدم إلى الأمام، أسقط على وجهي، أقف من جديد، أتابع السير”.

الكتاب لغته سهلة جدًا، روح ألِف الظريفة حاضرة هنا رغم كل الألم. الأفكار متنوعة ومنسابة. تطرقت إلى العديد من سير حياة أخريات، عانوا مثلما عانت و تذوقوا الكأس نفسه. قلب الأم هو المحطة الأولى التي نتوقف فيها لنعرف كيف هو شكل العالم الحقيقي.

هذا الكتاب لم يُكتب للنساء وحدهن، بل من أجل كل إنسان، يحاول أن يصل إلى صوته، من بين كل الأصوات المحتشدة في داخله. لكل شخص أضاع الطريق. لكل روح تحاول تعلّم الحُب و الصبر، اللذيْن هما سر الحاضر والمستقبل. بعد سنة، انتهت ألِف شفاق من روايتها الشهيرة (قواعد العشق الأربعون). وعادت لكل أنشطتها الثقافية، كما كانت سابقًا.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.