“أؤمن بأن الأدب هو أفضل ماتم اختراعه من أجل الوقاية من التعاسة”

– ماريو بارغاس يوسا

الكتاب عبارة عن نصوص أجنبية لم يسبق لها أن تُرجمت للغة العربية من قبل. عمل على ترجمتها المترجم السعودي راضي النماصي. تتحدث هذه النصوص عن “القراءة كفعل وممارسة وكيف ينظُر لها تسعة من كبار المؤلفين العالميين الذين أثروا العالم بنتاجهم المميز”.

يقول المترجم في المقدمة:

“لا أطلب منك أن تتبع ما قالوه -وإن أردت فهذا خيارك-، لكن لا تقرأ كما كنت تفعل، أو على الأقل لا تقرأ لأجل ماكنت تقرأ لأجله. اقرأ بشكل مختلف لترى بطريقة مختلفة، ومن هنا ستنطلق وتعبر عن ذاتك بما يختلف عن بقية من حولك”.

أتساءل الآن، لو أنني سأجرب طريقة واحدة فقط واعتمد عليها كأسلوب للحياة يقيني من مرارة الخيبات، أو لنقل: يخفف من وطأتها، فماذا سأختار؟ يلهمني خورخي لويس بورخيس بإجابة سريعة وهي:

“يجب أن تكون القراءة إحدى أشكال السعادة الخالصة، ولذا فإني ألقي بوصيتي الأخيرة -والتي لا أخطط بكتابتها- إلى جميع قرائي الحاليين والمستقبليين بأن يقرؤوا كثيرًا ولا يغتروا بسمعة كاتبٍ ما. اقرؤوا من أجل متعتكم ولأجل أن تسعدوا،فهذه هي الطريقة الوحيدة”.

الطريقة الوحيدة هي القراءة إذن. وأظنه يقصد الأدب خاصةً. تأتي مقالة أخرى تؤكد هذه الفكرة -أي حاجة الناس للقراءة عمومًا وللأدب خاصةً- عنوانها “لماذا نقرأ الأدب؟” للكاتب ماريو يوسا المولود عام 1936 في البيرو. يطرح فيها رأيًا عجيبًا عن التحول المعرفي. وهو رأي صحيح وواقعي جدًا بالمناسبة، إذ يقول:

“لن يكون هذا العالم من دون أدب سوى عالم غير حضاري، بربري يخلو من العاطفة، وذو خطاب جلف جاهل و مأساوي، ويعيش من دون شغف و جلف حتى في حبه.

هذا الكابوس الذي أحذر منه وأرسم معالمه، سيكون سمته الأساسية الانسياق وتسليم عالمي لبني البشر إلى السلطة. بهذا المنطق، سيكون عالمًا حيوانيًا…

الكابوس الذي أحذركم منه لن يكون نتيجة قلة التطور، بل سيكون نتيجة التحديث والتطوير المفرط…

ليس من المرجح، بالطبع، أنّ هذه اليوتيوبيا سوف تأتي. نهاية قصتنا ونهاية التاريخ لم تكتب بعد. ماسيأتي لاحقًا مرهون برؤيتنا وإرادتنا. ولكن إن أردنا أن نتجنب فقر خيالنا، ونتجنب اختفاء ذلك الاستياء الثمين الذي يهذب حساسيتنا ويعلمنا التحدث ببلاغة و دقة، وأن نقاوم أي مساهمة لإضعاف حريتنا، فيجب أن نتصرف.

وبعبارة أدق، يجب أن نقرأ”.

يجب أن نشير أيضًا إلى رأي السيدة فيرجينا وولف في مقالتها “كيف نقرأ كتابًا كما يجب؟”. فهو رأي مهم جدًا، وأعتقد أنّ على كل قارئٍ أن يفهمه بشكل صحيح ويضعه في عين الاعتبار:

“النصيحة الوحيدة التي يستطيع أن يسديها شخص لآخر حول القراءة هي ألاّ يتبع أي نصيحة، هي أن تتبع حواسك، أن تستخدم عقلك، وأن تتوصل إلى استنتاجاتك الخاصة”. وتؤكد على أهمية الاستقلالية عند القارئ، فهي من أهم الخواص.

من المقالات التي لامستني أيضًا هي مقالة فلاديمير نابوكوف (1899-1977) بعنوان: “القراء الجيدون و الكتاب الجيدون”. والذي لخّص فيها معاناة القُراء و الكُتاب في توضيح أهمية الأدب و سحره. حيث أنّ مقارنته و استدلاله بالشواهد على ذلك، كانت طريقة عبقرية بالفعل.

سؤال: هل أنتَ قارئ تعيد ما تقرأه؟

لهذا السؤال جواب فلسفي عنده، وهو:

“القارئ الجيد، القارئ العظيم، القارئ النشط و الخلاق، هو قارئ يعيد مايقرأ، وأود أن أخبركم عن السبب.عندما نقرأ كتابًااً للمرة الأولى فنحن نحرك أعيننا بمشقة من اليسار لليمين، سطرًااً إثر سطر و صفحة إثر صفحة، فإن هذا العمل الجسماني المعقد على الكتاب، والذي يجعلنا نتعرف عليه في حدود الزمان و المكان، يقف بيننا و بين التقدير الفني.

عندما نطالع لوحة فنية فنحن لا نحتاج أن نحرك أعيننا بطريقة خاصة، حتى لو كانت مثل الكتاب في عمقه أو بما ترمي إليه. نحن نحتاج وقتًا عندما نقرأ أي كتاب لنتآلف معه. لانملك عضواً حسيًا -كالعين مع اللوحة- يمكن أن يأخذ الصورة بأكملها ويستمتع بتفاصيلها. لكن عندما نقرأ للمرة الثانية، الثالثة، الرابعة، فإننا بشكل ما نتعامل مع الكتاب كما لو كان لوحة.”

بعد هذه المعادلة المعقدة قليلاً، يأتينا رأي رديارد كيبلنغ (1865-1936) لطيفًا ومؤثرًا:

“يخلق نصف ما كُتب في الأدب أماكنًا لم توجد على الخريطة، ويقوم الباقي منه بتسجيل أي عقبة قد ترميها الأقدار أو الحياة أو الظروف بين وقت وآخر، والتي سبق أن رمتها على شخص شقي أو سعيد، وكيف تصرف حيالها. الحياة أقصر من أن نتبع سيرة كل فرد عاش بها، ولكن يمكن لنا عبر هذا التجهز الرائع، والتواصل مع أفضل من سلف، أن نلتقط من الأدب بعض الأفكار العامة والأساسية عما قام به أفضل اللاعبين في اللعبة الكبرى، والمدعوة بــ(الحياة)”.

أحببتُ اختيارات المترجم للشخصيات، تمنيتُ لو أن القائمة تطول. كان هذا الكتاب بالنسبة لي من ضمن أفضل ما قرأت لهذا العام، فهو كتاب يُرجع له أكثر من مرة واحدة. أما الترجمة فكانت أكثر خفة وبراعة مما توقعتُ.

كيف نقرأ كتاباً بالفعل؟

أعتقد أن هذا الكتاب يحمل الكثير من الأجوبة على هذا السؤال العميق. وهنا وصية أخيرة منّي قبل أن تبدأ صباحك، قبل أن تطلق شتائمك على ازدحام الطرقات، قبل أن تعبس في وجه من حولك، اقرأ. فهذا -مع الوقت- سيغير الكثير في حياتك.

أوجه شكري للمترجم الرائع راضي النماصي، ولدار أثر على هذه الطبعة الجميلة.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.