خرائط ثلاثية الأبعاد، ونظاراتٍ تُظهر معلومات لكل ما تقع عليه عين الإنسان، هي مشاهدٌ اعتدنا رُؤيتها في أفلام الخيالِ العلمي استطاعت التقنيةُ أخيرًا تحويلها لحقيقة ملموسة على أرضِ الواقع. تَطرقنا من قبل لتقنية الواقع الافتراضي وتطبيقاتها في مقالات سابقة سواءً على صعيد الطب والصحة أو في مجال العقار والسكن، واليوم سيكون الحديث عن تقنية الواقع المعزّز التي تزامن ظُهورها مع ظهور تقنية الواقع الافتراضي في بداية التسعينات.

تعمل تقنية الواقع المعزّز على إدخال عناصر افتراضية للواقع الحقيقي

على عكسِ تقنية الواقع الافتراضي التي تقوم بإدخال عناصر حقيقية لواقعٍ مُحاكى، تعمل تقنية الواقع المعزّز على إدخال عناصر افتراضية للواقع الحقيقي مُعزِزَةً بذلك إمكانيات هذا الواقع دون أن تعزلَ المستخدم عنه، فهي تقوم بعرض الواقع كما يراه الشخص ولكن بمعلوماتٍ إضافية تطفو حول الأجسام فيما يُسمى بالمشهد الظاهري (Virtual scene) والذي يعمل على تحسين الإدراك الحسي للعالم الحقيقي الذي يراه أو يتفاعل معه المستخدم.

أصبح بمقدورنا رؤية تقنية الواقع المعزّز في عدة مجالات وقد يطغى انتشارها على الواقع الافتراضي نظرًا لتفوقها على نظيرتها في مرونة تطبيقها على أرض الواقع، فلست بحاجة لنظارات خاصة لتحظى بتجربة الواقع المعزّز (على الرغم من إصرار بعض الشركات على إنتاجها) كما هو الحال في الواقع الافتراضي، فصارت العديد من الأجهزة الذكية تدعم هذه التقنية بمجرد تثبيت التطبيقات الملائمة لها. فنراها اليوم في مجال التعليم والتسويق والبناء والهندسة وحتى الفن معلنةً عن ضرورة ظهور جيل جديد من التطبيقات الداعمة لها.

التسويق بالواقع المعزّز

اليوم، يسعى مسؤولو التسويق في عالم مليء بآلاف الإعلانات ومئات العلامات التجارية لإدخال تقنية الواقع المعزّز لجذب انتباه الزبائن واشراكِهم في تجربة الإعلان كنوعٍ من أنواعِ التسويق الإبداعي( Guerrilla Marketing). ففي لندن، قامت علامة تجارية لمشروب صودا بتثبيت لوحة إعلانات داعمةٍ للواقع المعزّز عند أحد محطات انتظار الحافلات ورصدت ردود فعل الناس حول ما يشاهدونه من مشاهد عبر كاميرا مثبتة. فاللوحة التي تَظهر كزجاج شفاف يمكن الرؤية من خلاله هي في الواقع شاشة عرض تدعم الواقع المعزّز تقوم بإضافة عناصر افتراضية لصورة الواقع الحقيقي مكونةً مشاهد درامية تسترعي انتباه المارة أو حتى تفاجئهم في بعض الأحيان، وذلك في سبيل الترويج لمنتجات الشركة.

large_1-_

ولم يقتصر توظيف تقنية الواقع المعزّز في مجال التسويق على هذا المثال فحسب، فبعض الشركات التي تطرح دوريًا فهارس مصورةٍ لمنتجاتها مثل شركة إيكيا السويدية (IKIA) أصبحت مؤخرًا تدعم خاصية الواقع المعزّز عن طريق نشر فهارس مصورة تفاعلية، فما أن يتم توجيه كاميرا الهواتف الذكية نحو صور الفهرس حتى تنبثق كمجسمات ثلاثية الأبعاد، أو قد تتحرك المشاهد الثابتة لتظهر كتسجيلات مرئية مدمجة في الفهرس نفسه.ولم تتردد أيضًا شركة ليجو (Lego) الشهيرة في استخدام الواقع المعزّز في متاجرها فوضعت جهازًا يمكّن الأطفال من تمرير صناديق ألعاب الليجو عليه فتظهر تصاميمها النهائية على الشاشة كمجسمات ثلاثية الأبعاد.

الأمثلة عديدة حول استخدامات هذه التقنية في مجال التسويق والإعلان ولكن يَصعبُ في الوقت الراهن معرفة ما إذا كانت إعلانات الواقع المعزّز سترفع من مبيعات الشركات، ولكن الأكيد أنها سَتدخلُ المُستخدم في تجربة قد ينقلها إلى مُحيطه ما يجعله سفيرًا للعلامة التجارية.

في مجال التعليم

لطالما كان التعليم أحد أبرز المجالات وأكثرها تطورًا عبر السنين الماضية، ولِما يراه رواد التعليم من مستقبلٍ مشرق لتقنية الواقع المعزّز أصبح هناك اليوم خطوات واعدة لهذه التقنية في مجال التعليم وأن كانت خجولة في بعض الدول إلا أن آثارها تبدو واضحة في دول أخرى. فالبيئة التعليمية بيئة خصبة لتطبيق تقنية الواقع المعزّز، فيمكن استخدامها لتحويل الكتب الورقية إلى منصات عرض تفاعلية عبر الأجهزة الذكية، فبدلًا من قراءة تاريخ الأهرامات مثلاً يمكن عمل شخصية كرتونية فرعونية ثلاثية الأبعاد تروي قصة الأهرامات وتعرض تسجيلات مرئية حية بمجرد توجيه كاميرا الأجهزة الذكية نحو الكتاب. أو قد تُستخدم في دروس تشريح جسم الإنسان عبر رؤية الأعضاء بصورة ثلاثية الأبعاد مما يُسهل الشرح على المُعلم ويُكسب الطالب فهمٍ أعمقَ للدرس.

medicalar

أستراليا، إحدى الدول التي آمنت بقدرات الواقع المعزّز في مجال التعليم فطبقته بعدة طرق كان أكثرها غرابة هو صندوق الرمال المعزّز الذي يُستخدم لمعرفة التضاريس بطريقة تفاعلية، حيث يقوم الطلبة باللعب في الرمال وبناء التلال وحفرِ الحُفر فيُظهرها الجهاز الداعم للواقع المعزّز كجبال، وهضاب، وسهول، وبحار حقيقة لتُعطي الطالب تصورًا واضحًا للاختلافات الجغرافية على سطح الأرض.

أنظمة الملاحة في السيارة المعززة للواقع

لم تعد هنالك حاجة لإشاحة النظر عن الطريق

من المجالات التي لجأت مؤخرًا لتقنية الواقع المعزّز، هو مجال صناعة السيارات. فأصبحت الشركات تتنافس لإضافة خاصية الواقع المعزّز لسياراتها في محاولة لمواكبة التطور التقني الذي بات يهدد مفهوم السيارات التقليدية ويرجح كفة السيارات ذاتية القيادة. شركة واي راي السويسرية (WayRay) المختصة في تقنيات الواقع المعزّز أطلقت جهاز نظام ملاحة ثلاثي الأبعاد للسيارات اسمته (Navion).

يعرض النظام مسار وجهتك بعد تحديده على شكل أسهمٍ خضراء افتراضية تظهر على الزُجاج الأمامي للسيارة كما تَظهر معلومات حالة السيارة من سرعةٍ، وتسارع، ومستوى الوقود أمام السائق مباشرة. ويُمكن استلام المكالمات أو إرسال الرسائل النصية عبر التلويح باليد فقط، فلم تعد هنالك حاجة لإشاحة النظر عن الطريق ليختلس السائق النظر الى لوحة التحكم أو على الهاتف الذكي للرد على المكالمات.

conti-hud-2

ويتميز النظام بإمكانية تثبيته على أي سيارة تقريبًا، كما يمكن رؤية الإسقاطات الافتراضية دون الحاجة لارتداء نظارات تدعم الواقع المعزّز. ترى شركة واي راي (WayRay) أن مُستقبل السيارات سيكون بلا لوحات تحكم، ولا مُبدلات سُرعة، ولا حتى شاشات لأنظمة الملاحة، حيث أن تقنية الواقع المعزّز ستحل بديلًا لكل هذا العتاد قريبًا.

ولو أردت عزيزي القارئ تَجرِبةَ هذه التقنية بنفسك فإن المتاجر الإلكترونية تزخر بتطبيقات الواقع المعزّز منها التطبيقات التعليمية مثل: Zoo-AR وهو تطبيق يساعد الأطفال لتعلم أسماء الحيوانات وعرض المعلومات عنها ورؤيتها كمجسمات ثلاثية الأبعاد على أجهزتهم الذكية، وهناك تطبيقات الملاحة والخرائط مثل: تطبيق Yelp Monocle الشهير وهو تطبيق يقوم بجمع آرائهم الناس حول مطعم أو معلم بارز في محيطك، كما يتيح لك تحديد المطاعم الأقرب لموقعك الحالي أو وضع الإشارات المرجعية عليها ليسهل لك الرجوع إليها فيما بعد.

كما أن تطبيقات الألعاب الداعمة للواقع المعزّز نصيب الأسد فتطبيق (Pokemon Go) بات أشهر من نارٍ على علم وهو يقوم على اصطياد كائنات افتراضية (بوكيمونات) موزعة في المُحيط الواقعي للمستخدم.

رغم إمكانيات تقنية الواقع المعزّز إلا أنها مازالت في مهدها، وقد يتطلب الأمر بضع سنين أخرى لنراها تتوهج على قمة التقنيات الحديثة.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.