جهاز معدني، به عدستان مكبرتان معلقٌ بحزام تضعه على عينيك، فتغوص في أعماق المحيطات مستكشفًا السفن الغارقة، أو متسلقًا قمم الجِبال غير آبهٍ بثلوجها الباردة، تلك هي وعود نظارات الواقع الافتراضي، أن تَخلِق لك خيالًا تعيشه. انتشار نظارات الواقعِ الافتراضي (Virtual Reality) فاقَ التوقعات، فمن أداةٍ صُنعت بالأصل لألعاب الفيديو، إلى تقنيةٍ باتت مستقبلًا لعدةِ مجالات، نراها اليوم تكتسِحُ مجال العقار لتُعززَ من تجرُبة شراءِك لمنزل المستقبل أو لِتقدمَ لك تصورًا واضحًا عن السوق العقارية العالمية دون أن تبرَحَ مَحِلك، ولم يَزل العالمُ مفتونًا بالواقع الافتراضي حتى ظَهرت تِقنيةُ الواقع المُعزّز (Augmented Reality) لِترفعَ من سقف التوقعات المُستقبلية للتقنيةِ في مجال العقار، فبدلًا من رؤيةِ مشاهدَ افتراضيةٍ ذات عناصرَ واقعية، أصبح بمقدورِنا رؤيةُ واقعٍ حقيقي بعناصرَ افتراضية.

العقار الافتراضي

قد تصبح عَملية التنقلِ المُرهقة من حيٍ لآخر للبحث عن المنزل الأنسب أو الشقة الأفضل مع أحد سماسرة العقار أمرًا من الماضي. فقد بدأت إحدى مكاتب العقار في نيويورك باستخدام نظارات الواقع الافتراضي للقيام بجولاتٍ افتراضيةٍ لعُملائها داخل المنازلِ والشقق السكنية، حيث أصبح بمقدور العَميل رؤية عشراتِ المنازلِ واستكشافها في بضع دقائق دون أن يبرحَ مكانه. يقول السيد جف مورير وهو من أدخل هذه التقنية في مجال العقار:

“سئمنا أنا وزوجتي البحث عن المنزل الأفضل بين أكوام خرائط المنازل المبهمة، ومواقع العقارات ذات الصور المصغرة البعيدة عن الواقع، حتى أصبَحت عمليةُ اتخاذ القرار شبهُ مستحيلة، فبحثنا عن طريقةٍ تمكننا من رؤية العقار بحجمهِ الطبيعي واستكشافه كما لو كُنا بداخله، فكانت نظارات الواقع الافتراضي هي الحلُ الأمثل”.

تعمل نظارات الواقع الافترَاضي على تحويل صُور العقارات إلى واقعٍ افتراضي ثُلاثي الأبعاد يَسمحُ للعميل التَجولَ داخل العقار وتَفقُّدِ ميزاته كما لَو كان واقعًا ملموسًا، فأصبحَ بِإمكانكَ عزيزي القارئ بِمُجردِ ارتداءِك لهذهِ النظارات تَفقُد العقارات في نيويورك بَينما تحتَسِي قَهوتَك في الرياض.

ولم يقتصِر الأمرُ على رُؤية المنازلِ الجاهزة والتجول فيها بل بمقدور العَميل الاطلاعُ على تَصاميمَ لمنازلَ لم تُبنَ بعد، فيراها ثُلاثية الأبعاد أمام عينيه عَبر نظاراتِ الواقعِ المُعزّز كنظارات هُولو لينس (Hololens) التي أطلقتها شَركة مايكروسوفت (Microsoft)،والتي تَسمح ُبرؤية العالمِ الحقيقي مع إضافةِ عناصرَ افتراضية على شكلِ صُورٍ مُجسَمه (Hologram) يستطيعُ العميل التحكمَ بِأبعادِهَا وتغييرِ خَصائِصها كما يشاء بدءًا بألوانِ الدِهان وصولًا لِمواقفِ السيارات دون أن يُفصلَ عن الواقع أو يدخُلَ في في عالمٍ مُحاكى، ليسهُلَ عليه تخيل الشكل النهائي للمبنى، ومن جانبٍ آخر مازال بعض خبراء العقار يُشككون في استحواذِ هذه التقنية على سُوق العقار، ترى سامانثا دبيانشي مُؤسِسة شركة عقارات دبيانشي الفاخرة في ولاية فلوريدا الأمريكية أن تِقنيات الواقع الافتراضي والواقع المُعزّز مهما بلغَ نَجاحُها فستبقى مُجردَ أداةٍ للعرض كالصُور والتسجِيلاتِ المرئية وأنها لن تَحِلَ بأي شَكلٍ كان محل مكاتب العقار التقليدية التي تَتفوق على التقنيةِ بِوجودِ الطَابعِ الشخصي، فتُؤمن سامانثا بأن عالمَ العقارات مَبنيٌ على المَشاعِر والتَجاربِ الشخصية وأن فرصة بيع شقة بعد أخذ العميل في جولة واقعية فيها أكبرُ من تلك القائمة على المحاكاة المُصورة.

 

screen-shot-2016-02-03-at-9-56-41-am

العقار المعزز

وجديرٌ بالذكر أن مؤسسة الشيخ زايد للإسكان في الإمارات قد أطلقت برنامج “مسكن المُستقبل” وذلك خِلال مُشاركتها في مَعرض جايتكس GITEX) 2016).حيثُ يُتيح البرنامج للزُوار تَجربة نظارات الواقع المعزز للتجولِ داخلَ العقارات التي تبنيها المؤسسة والتعرف على خصَائِصها و تَصامِيمها الهندسيةَ بكلِ سهولة، وقالت المُهندسة جميلة الفندي مُديرة عام البرنامج :” إن البرنامج يطرح هذا العام 10 تقنيات جديدة ومحدثة، تُركز على دعم المُتعاملين في اختيار مساكنهم والتعرف على تفاصيلها، وتعرض التقنيات الأخرى مجموعةً من الخدمات التي تَشمل الفئات الأُخرى مثل مُقدمي الطلبات والمُستفيدين من الدَعمِ السكني والمقاولين والاستشاريين”، وأضافت:” إن البرنامج يَطرح لأولِ مرةٍ تقنيةَ المسكن ضمن الواقع المعزز، والتي تتيح للمتعاملين مُشاهدة مساكِنهم على أرضِ الواقع دون الانعزال عنه”. ويُعد العقارُ الافتراضي في بداياته نظرًا لارتفاع تكلُفته ومَحدُودية مُصمميه فما زال مُعظمُ سُكان العالم يعتمدون اعتمادًا كُليًا على سَماسِرة العقار التقليديين لَشراء العقارات السكنية والتجارية.

gdrodjx

يَبدُو أن هناك مستقبلٌ مبهرٌ لتقنيتي الواقع الافتراضي والواقع المعزز، فمع تطور الرُسومات الرقَمية وتقنيات تتبع الحركة، أصبحَ بمقدورنا الاستفادة منها على نطاقٍ أوسع، فقد يرى فيها الأطباء علاجًا فاعلًا لبعض الحالات المرضية ، أو قد تُستخدم في التعليم لتكون أداةً مبتكرة تجعل من إيصال المعلومة تجربةً ممتعة. و لن نلبَثَ طويلًا حتى نراها تقتحمُ مجال التسويق والاقتصاد حينها لن يُستغرب رؤية مَتجرٍ افتراضي يمكّن الشخص من إجراءِ عملية شراءٍ افتراضيةٍ كاملة ، لتصله مُشترياته على أرضِ الواقع،أو قد نرى الشركات تقيم اجتماعاتها في بيئةٍ افتراضية ذات فعّاليةٍ عالية. تطبيقات تقنية الواقع الافتراضي كثيرة والتطلُعات المستقبلية لهذا النوع من التقنيةِ كبير، وكما أذهَلتنا التقنيةُ من قبل فإنها ستبهرُنا حتمًا في المستقبل.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.