يبدو أنّ عقل الإنسان غير قادر على تخيّل المستقبل. فبينما هو يعمل جاهدًا للبقاء على قيد الحياة أطول وقت ممكن من خلال ممارسة الرياضة، والحميّة الصحيّة، والتمارين والممارسات التي تصبّ في هدف الوصول لعمر أطول. إلاّ أنه وفي ذات الوقت، تجده داخليًا لا يؤمن بفكرة زيادة عمر الإنسان، بينما العلماء يعملون على هذا منذ زمن، والتوقعات من الأمم المتحدة وخلافها، تشير إلى أن الإنسان سيعمّر أكثر في المستقبل. حتّى أنّنا نجد في رؤية 2030 للمملكة، خطّة لزيادة عمر الإنسان السعودي (صفحة 31). وحتّى تجد مسألة بشرى طول العمر للمسلم في عددٍ من الأحاديث النبويّة، كما في حديث أنس بن مالك، عن الرسول صلى الله عليه وسلم: “من أحبّ أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه.”

“أن الله جعل بحكمته صلة الرحم سببًا شرعيًا لطول العمر، وكذلك حسن الخلق، وحسن الجوار، كما في بعض الأحاديث الصحيحة. ولا ينافي ذلك ما هو معلومٌ من الدين بالضرورة أن العمر مقطوع به؛ لأن هذا بالنظر للخاتمة، تماماً كالسعادة والشقاوة، فهما مقطوعتان بالنسبة للأفراد فشقي أو سعيد، فمن المقطوع به أن السعادة والشقاوة منوطتان بالأسباب شرعًا.”

– الألباني، صحيح الأدب المفرد (1 /24)

saudi-arabia

قد استطاع الإنسان أن يمدّ في عمره قرابة الضعف

خلال 100 عام فقط، استطاع الإنسان أن يمدّ في عمره قرابة الضعف. ففي السعودية كان في عام 1950، متوسط العمر (عند الولادة) 43 عامًا، واليوم تتوسط أعمارنا 74 عامًا. وفي الولايات المتحدة الأميركية عام 1907، كان متوسط العمر 46 عامًا، واليوم أصبح المتوسط 78 عامًا. عندما تأخذ بعين الاعتبار سرعة التطوّر خلال الفترة الماضية، وتضيف عليها التقنيات التي يعد بها المستقبل القريب، نجد أنّ فكرة استمرار الإنسان في زيادة عمره على هذه الأرض تعدّ منطقية.

في الماضي، استطاع العلماء إيجاد علاج لأغلب الأمراض والأوبئة التي قتلت الملايين، من حمّى (كالحمّى الإسبانية التي قتلت أكثر من 50 مليون إنسان في سنة واحدة!)، ونزلات البرد القاتلة، وعددٍ من أمراض القلب والدماغ، وغيرها. والأمراض التي تعاني منها البشرية اليوم، كالسرطان، وأمراض الأعصاب، والسكّري، ستكون من الماضي. وعندما نصل إلى حلّ لها، سيزيد عمر الإنسان إلى 100 عام وأكثر.

لقد تجاوزنا الحد الأقصى لطول عمر الإنسان

إلاّ أنّ هناك علماء يجدون أنّ لهذه الحياة حدًا لا يمكن للإنسان تجاوزه، وربّما أنّنا قد وصلنا إليه. ففي دراسة نُشرت على Nature، تؤكّد أننا تجاوزنا الحد الأقصى لطول عمر الإنسان عندما وصلنا إلى أطول عمر مسجّل للسيدة الفرنسية جيني كالمينت التي توفّيت في عام 1997م بعمرٍ ناهز 122 عام.

اليوم، عندما أصبح الإنسان يعيش وقتًا أطول، ظهرت أمراضٌ ناتجةً عن زيادة عمره، فظهر ألزهايمر، ومرض الرعاش (باركنسون)، وغيرها التي تلتصق التصاقًا مباشرًا مع زيادة عمر الإنسان، وخصوصًا في مرحلة الشيخوخة. فعندما، استطاع العلماء إيجاد حلول لأمراضٍ مثل شلل الأطفال، والجدري، والإنفلونزا، والتطوّر في الجراحة والطب، ازداد عمر الإنسان إلى الضعف. واليوم، ظهرت أمراضٌ جديدة. وعندما نقوم بإيجاد حلولٍ لها، فالأكيد أنّ متوسط عمر الإنسان على هذه الأرض، سوف يزداد بشكل نسبي.

فقد أصبح العلماء أقرب من أي وقت مضى للوصول لاكتشاف ألزهامير في وقتٍ مبكر، والوصول إلى حلول لتأخير أعراض المرض.

jeanne-calment-1

حتى الآن، كل الحلول التي ساعدت في زيادة متوسط عمر الإنسان، تنطوي تحت تطوّر أنظمة الصحة والطب، والقضاء على الأمراض التي واجهتها البشرية. وهذا يبدو منطقيًا، ومقبولاً لدى الكثير. لكن ماذا لو استطاع العلماء إيجاد عقّارٍ مخصّص لزيادة عمر الإنسان؟!

يوافق البروفسور في جامعة إلينيوز الأميركية جاي أولشنكسي، في ورقةٍ نشرت على Nature، على أنّ هناك حدٌ طبيعيٌ لحياة الإنسان على هذه الأرض. إلاّ أنّ هذا لا يمنع أن بإمكان العلم أن يتجاوزه. يعمل البروفسور مع فريق من العلماء على عقّارٍ اسموه: ميتفورمين (Metformin) والذي يحوي خصائص قويّة تحمي من الشيخوخة (التجارب الآن على الفئران).

البشرية على مشارف تجاوز السنين التي يستطيع الإنسان أن يعيشها

وإن استطاع الفريق النجاح في إنتاج هذا العقار، فإنّ البشرية على مشارف تجاوز السنين التي يستطيع الإنسان أن يعيشها.

هذا الأمر يفتح كثيرًا من الجدل بين الناس، حيث أنّ هناك من يجدها تعدي على قدرة الخالق، أو أنّها ستفتح أبوابًا أكثر سوءًا لهذا الكوكب! إلاّ أنّ هناك فريقٌ يجد أنّ حلّ مثل هذه الأمراض، وإيجاد مثل هذه العقاقير ما هي إلا تتمة لما عمِل عليه العلماء منذ الأزل. فتخيّل اليوم عالمًا بدون علاج لشلل الأطفال، أو للصداع، أو السرطان، وغيرها من تلك الأمراض التي فتكت بملايين البشر، لما كنّا نعيش اليوم صحة أفضل من الأمس، ولما استطعنا أن نضاعف من عمر الإنسان في المئة عام الماضية.

يحتاج إلى أن يعامل العلماء الشيخوخة كما لو أنّه مرض

حتى اليوم، وصلنا إلى عمر 120 عامًا كأعلى حد سجله العلماء للسيدة الفرنسية. وهذا الحد، من الصعب تجاوزه بمجرد إيجاد علاج لأمراض الشيخوخة فقط. أن يتجاوز الإنسان الـ 120 عامًا، يحتاج إلى أن يعامل العلماء الشيخوخة كما لو أنّه مرض، ونحتاج علاجه بعقّارٍ مخصص لعلاجه.

يقول البرفوسور جاي أولشنكسي: “أنا متفائل بأنّ [إيجاد عقّار للشيخوخة] ليس مجرّد ممكن الحصول عليه، بل نحن قادرون على ذلك، وعلينا أن نسعى لإيجاده بقوة.”



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.