في كل مرة أجلس مع نفسي ممسكًا بهاتفي، أغدو وأروح بين تطبيقات شبكات التواصل الاجتماعي الكثيرة، والتي وإن كانت متشابهة بعض الشيء إلا أن لكل منها ما يميزه عن الآخر. أقف حائرًا في مرات كثيرة وأسأل نفسي: ماذا بعد؟

في 2007، وما قبلها كانت المنتديات والمدونات الشخصية الملاذ الوحيد في عالم الإنترنت لتعبر فيه عن أفكارك واهتماماتك، كانت المكان الذي يلتقي فيه الأصدقاء عبر أسماء مستعارة غالباً ويقضون معظم أوقاتهم هناك. كانت المنتديات والمدونات بجميع أشكالها وأطيافها وأصنافها مزدهرة، وتملك أرقامًا كبيرة جدًا من الزيارات اليومية. لا أنسى أيضًا برنامج Messenger من Yahoo وHotmail، كل ذلك كان الطريق الوحيد لتحادث شخصًا ما في مدينة أو دولة أخرى ولمدة تتجاوز الساعات ربما.

قبل 6 سنوات تقريبًا تركت عالم المنتديات وانقطعتُ عن التدوين الشخصي، وقد لا أكون من الأوائل الذين تركوا ذلك خلفهم لكنني هاجرت كما هاجر الكثيرون في موسم الهجرة آنذاك إلى فيسبوك ثم إلى تويتر.

بدأت انطلاقة مواقع التواصل الاجتماعية في 2003 عبر موقع MySpace، تبعه فيسبوك في 2004، لكن الانتشار الحقيقي لفيسبوك وفي السعودية تحديدًا كان في 2007، تلى بعد ذلك ظهور تويتر، ثم انفجر عصر الشبكات الاجتماعية (Social Media) وتطبيقات التواصل الاجتماعي بجميع خصائصها وأشكالها والتي ربما تعرف معظمها وقد يغيب عنك معرفة بعضها الآخر، ذلك لكثرتها وانتشارها بين المستخدمين حول العالم، ولا نختلف على قيامها بتغيير نمط حياة كثير من المجتمعات. ساعد في انتشار معظم تلك المواقع والتطبيقات بجميع أصنافها وبشكل أساسي، ظهور الهواتف الذكية والتي تطوّرت تطورًا هائلًا خلال سنوات قليلة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن. فلم يصبح الويب هو المنفذ الوحيد للعالم. تطبيقات الهواتف الذكية والتي لا يمكن حصرها في سطور، أصبحت هي بوابة أخرى كبيرة وجديدة في هذا الزمن.

وسائل التواصل الاجتماعية موجودة منذ أن وجد الإنسان على هذه الأرض

لكن، دعنا نفكّر ونعود للوراء قليلاً، لقد كانت وسائل التواصل الاجتماعية موجودة منذ أن وجد الإنسان على هذه الأرض. مرّت في أشكال شتّى، فحتى الرسائل عبر الحمام الزاجل، وتلك الرسائل التي يحملها ساعي البريد، هي بعض من أشكال التواصل الاجتماعي، وقد ظهرت أدوات جديدةمع ظهور (الإنترنت). في الأيام الأولى للطلب الهاتفي (dial-up)، المستخدمون كانوا يتوجهون على الفور غالبًا إلى المنتديات وغرف الدردشة يتواصلون من خلالها عبر رسائل فورية مع أناس غرباء، والذين يتحولون إلى أصدقاء مع مرور الزمن.

خرجنا من الرسائل الفورية مع الغرباء من منتدى وغرفة دردشة صغيرة لمجتمع دولي على الشبكة العالمية (إنترنت) مليء بأفراد الأسرة والأقارب والأصدقاء الذين تعوّدنا أن نتواصل معهم وجهاً لوجه في الحياة اليومية خارج نطاق تلك الشبكة. كان تواصلنا عبر الشبكة العنكبوتية قديمًا أشبه بمحادثة أناس غرباء ربما لم نلتقي بهم إلا من خلالها، لا نعرف عنهم أي تفاصيل أخرى، بينما الآن وبعد انفجار عصر شبكات التواصل الإجتماعية وانتشارها الكثيف، أصبح أصدقائنا في الحياة الحقيقية خارج الشبكة العنكبوتية هم كذلك أصدقائنا داخلها، قد يكونون أصدقاء دراسة، أو عمل، أو تجمعنا بهم هوايات واهتمامات معينة. بالإضافة كذلك لأفراد الأسرة والأقارب من جميع الأعمار، الذين ربما كان من الصعب اجتماعياً وثقافياً وربما تقنياً أن نلتقي بهم جميعًا عبر الشبكة العنكبوتية ونتواصل معهم مقارنة بالوقت الحاضر.

لقد انتقلنا من تطوير الاتصالات السلكية واللاسلكية لشبكة الإنترنت، ومن الإنترنت إلى الشبكات والتطبيقات الاجتماعية على الهواتف الذكية، فهل يوجد ابتكار آخر أكثر من ذلك؟ ابتكار يربطنا أكثر من ذي قبل مع العالم والناس من حولنا، أم علينا أن نبحث عنه في اتجاه مختلف تمامًا!

1r3eqru0hqposiiks0qou_q

إن ظهور أساليب التقنية الحديثة في العقود الأخيرة والتي أبهرت العالم بأدواتها وكان على رأسها وجود الشبكة العنكبوتية بمختلف أجيالها، أحدثت طفرة في الوسائط الإعلامية التي تنقل لنا الحدث أو الخبر أو المعلومة. لكن هناك فرق بين التغيير الذي أحدثته هذه الشبكة وبين ما يجعلها متميزة في الوقت ذاته عن التغيير الذي يحدث في الماضي بواسطة وسائل الإعلام التقليدية، في أنه أصبح هناك تغيير رقمي وظهر ما يسمى بمجتمع المعلومات.

دعني أربط لك الأمور ببعضها، العالم اليوم أصبح مفتوحًا على مصراعيه، ووسائل الإتصال بالشبكة العنكبوتية وتوفرها في كل مكان باتت أسهل بكثير من ذي قبل، بالإضافة إلى وجود منافذ تقنية كثيرة للتواصل مع الناس، وبالتالي أصبحت أساليب الحياة الجديدة رقميّة أكثر مرتبطة بالشبكة العنكبوتية وتحديدًا (شبكات وتطبيقات التواصل الإجتماعية) بشكل كبير جدًا. فتلك الثورة في عالم تقنية المعلومات، جعلت الشرق يتواصل مع الغرب بطريقة أسرع من شراء كوب قهوة أو طلب وجبة عشاء من أحد المطاعم، وبذلك حطمت الحدود الجغرافية الفاصلة ما بين الدول وتحقق عالمية تواصل الأفراد في مختلف بقاع العالم. أشبعت حاجات الإنسان التي لا يمكن أن تتم إلا من خلال توافر بيئة للتفاعل الاجتماعي كي يتواصل فيها الإنسان مع الآخرين. تنوعت أغراض تلك الوسائل الإجتماعية، فهي لم تقتصر على إجراء الحوارات التفاعلية أو الدردشة أو تبادل وجهات النظر، وإنما لكل مريد غرضه، فقد أفادت القارئ ومن يطلب العلم، وحتى الكاتب والباحث، أي أنها أداة للتواصل تميزت بالتنوع. تعددت وظائف مستخدمها، فلا يتعرض الشخص للملل الذي يصيبه مع استخدام الشبكة العنكبوتية التي قد كان يتلقى منها المعلومات فقط، بل تنقله من كونه مستقبلاً إلى عنصرًا فاعلًا  في الرد والمشاركة بالرأي وربما صناعة الحدث نفسه. وهي بذلك تفوقت على وسائل الإعلام التقليدية المتمثلة في الصحف والتلفزيون والإذاعة. أيضاً هي وسيلة مجانية للتفاعل والتواصل الإجتماعي، فهي لا تتطلب المال أو الإنفاق كي يحظى الفرد باستخدامها. كما أن التواصل عبرها أيضاً لا يتطلب بحث أو دراسة، فيمكن لأي شخص استخدامها بسهولة لأنها تقنية متاحة للصغير والكبير.

شظايا متطايرة

اليوم نحن نشهد شظايا من أشكال وسائل الإعلام في المستقبل، إنها شظايا متطايرة انتشرت وما زالت تنتشر وتأخذ مكانها شيئًا فشيئًا في مختلف الموضوعات والوظائف. إذا كنت ترغب في نشر الصور، لديك Instagram. إذا أردت أن تختلط مع المهنيين، هناك Linkedin. إذا كنت تود أن تشارك حياتك مع الآخرين، تصرّح عن أفكارك، تطرح أرائك فلديك منافذ كثيرة مثل تويتر، أو فيسبوك، أو Snapchat، أو يوتيوب. أما إذا أردت محادثة أسرتك وأصدقائك، يمكنك استخدام WhatsApp، وتيليجرام، وغيرها من تطبيقات المحادثة الكثيرة. والآن وبعد أن أصبحت حياتنا الشخصية هي مجرّد نقرة واحدة، أين نذهب من هنا؟

حتى نلقي نظرة خاطفة على المستقبل من حيث ما نذهب إليه من هنا، نحن بحاجة للتفكير في التقنيات الإعلامية للمستقبل. شكل واحد من أشكال تقنيات الإعلام يأخذ بالارتفاع في كل مرة هي الأجهزة الذكية: التلفزيونات الذكية، والسيارات الذكية، والمنازل وأجهزتها الذكية، وأجهزة الواقع الافتراضي “الذكية” والتي أصبحت أكثر انتشارًا. بالإشارة لكلمة “الذكية”، أعني بها تلك الأجهزة التي تستخدم البيانات من شبكة الإنترنت لخلق تجربة أفضل للمستخدم النهائي.

أجهزة الواقع الإفتراضي: التقنية الحاسوبية التي تتضمن محاكاة بيئة حقيقية ثلاثية الأبعاد تعمل على نقل الوعي الإنساني إلى تلك البيئة ليشعر بأنه يعيش فيها ويتفاعل معها “التواجد عن بعد”. نشاهد ذلك من فيسبوك حيث تحاول إلحاق الواقع الإفتراضي بشبكتها الاجتماعية عن طريق تمكين مستخدمي الموقع من التعبير عن أنفسهم والتواصل مع آخرين بشخصيات تماثلهم في الواقع الإفتراضي. تسمح تلك التقنية بلقاء أشخاص متباعدين جغرافيًا مستخدمين شخصيات افتراضية تلتقي وجهًا لوجه، حيث يمكنك أن تقول لصديقك خبرًا مفاجئًا، وتستطيع أن ترى الدهشة تبدو على ملامحه الافتراضية، بل يمكنك المشاركة باجتماع عمل بملابس النوم، وشخصيتك الإفتراضية سوف ترتدي الثياب المناسبة.

تلك التقنيات والأجهزة الذكية هي في مراحلها الأولى، وهي تشبه إلى حد كبير الـ dial-up أو الطلب الهاتفي، عندما بدأ من خلاله الإنترنت في أول مرة. وبالنظر لما تقودنا إليه التقنية، قد أصبح ذلك واضحًا أن شبكات التواصل الاجتماعي ما هي إلا نقطة بداية فقط لمرحلة تقنية أكبر وهي وصول التقنية للوعي الاجتماعي بحيث تكون أنت أكثر إرتباطًا وإتصالاً بما حولك وكل ما حولك يلبي رغباتك واحتياجك.

أعتقد أن مستقبل الإعلام والتواصل الاجتماعي هو التطور من أجهزة الحاسب المحمولة، والهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية، إلى الملبوسات والوسائل والأجهزة اليومية التي نستخدمها، هذا التآزر بين وسائل التقنية الاجتماعية، والأدوات التي نستخدمها في حياتنا اليومية يخلق تجربة أكثر ثراء، وبالتالي تربطنا ببعض حتى أكثر من ذلك. لكن هل نحن ما زلنا نسميها (مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي) المسمى الذي ربما لم يتحدد بعد. ربما سيكون لدينا مسمى مختلف على مدى ليس ببعيد جدًا، مثل “الأجهزة الاجتماعية”.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.