الأوروبيون الجدد

للكاتبة مشاعل الزهراني

Name

بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945، وجدت كل من فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا نفسها وقد خرجت للتو من الحرب فاقدة قوتها البشرية ولم تعد تتوفر السواعد اللازمة لبناء المستقبل! وفي ظل الحاجة الماسة إلى مزيد من العمالة الأجنبية لتحقيق النمو المتوقع شرعت في جلب اليد العاملة في كل من المغرب، والجزائر، وتونس، ودول جنوب أفريقيا، لتبدأ مرحلة الهجرة الجماعية إلى أوروبا والتي كانت تحددها حاجة المجتمعات الأوروبية لها حسب شروط وقوانين صارمة.

اليوم تستقبل أروبا آلاف المهاجرين سنويًا، بعضهم يصل عن طريق طلبات اللجوء الإنساني وكثيرون يصلون بطرق غير مشروعة. تُعد أزمة اللاجئين هذه الأكبر من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تشير الإحصاءات لعام 2015، أن هناك 850,000 لاجئ وصلوا عن طريق اليونان، و150,000 آخرون عن طريق إيطاليا، في حين لقي 3,770 لاجئ حتفهم في محاولتهم للوصول إلى الأراضي الأوروبية. هروب هؤلاء المهاجرين من أوطانهم يُعزى سببه للحروب في سوريا والعراق وغيرها التي قضت على نصف شعوبها أو قد يكون الفقر المدقع وانعدام فرص العمل السبب في ذلك. في عام 2015، وصل عدد اللاجئين في دول أوروبا إلى أكثر من 2.5 مليون.

الموقف الألماني

Name

الحكومة الألمانية التي رأت في المهاجرين ثروة مستقبلية، استثمرت هذا العام قرابة النصف مليار يورو في برامج الدمج حيث تقوم بتنظيم دورات تساعد اللاجئين على الاندماج في المجتمع الألماني تحوي على 600 ساعة من تعليم اللغة الألمانية و60 ساعة أخرى لتعلم أساسيات الحياة الألمانية، تُعطى لمن مُنِحوا حق اللجوء أو من المحتمل أن يحصلوا عليه، ويُتوقع أن تبلغ أعداد المستفيدين من هذا البرنامج 546 ألف مستفيد بنهاية عام 2016.

وفي حين تُظهر الحكومة الألمانية قبولها للمهاجرين المسلمين، نجد أن الشعب الألماني يتبنى رأيًا آخر. ففي استفتاء أجراه أستاذ العلوم السياسية في معهد برلين، السيد نايكا فوغوتان، شمل 8,720 ألماني حول تقبلهم لوجود المسلمين المهاجرين في ألمانيا، جاءت النتائج صادمة! فأكثر من 40% أكدوا أنهم لن يعتبروا من ترتدي الحجاب، ألمانية! وأنهم لا يفضلون انتشار المساجد في ألمانيا. في حين أكد 60% منهم تأييدهم حظر الختان للذكور وكثير من الشرائع الإسلامية الأخرى. ورأى 40% آخرون أنه لا يمكن اعتبار من يتحدثون الألمانية بلكنة مختلفة أنهم ألمان!

السيد نايكا الذي وُلِد من أم ألمانية وأب إيراني لاجئ، يضع آماله في التعليم الذي قد يغير نظرة الألمان للمهاجرين ويجعلهم يتقبلون فكرة الاندماج والتكامل بين الشعب الألماني الأصل، والمهاجرين كألمانيين جدد. فمسألة قبول ألمانيا للمهاجرين، هي مسألة ملحّة للدولة، حيث أنّ أعداد الوفيات تفوق أعداد المواليد بنحو 200,000 سنويًا، وهذه النسبة في تزايد عامًا تلو آخر. ومن دون وجود المهاجرين فإنّ أعداد الألمان ستتقلص! حيث يقدِّر معهد برلين للسكان والتنمية أن ألمانيا تحتاج لنصف مليون مهاجر سنويًا حتى عام 2050 لتستطيع إبقاء أعداد السكان مستقرة.

وجود الجزائريون في فرنسا، والصوماليون في السويد، وتدفقات الهنود إلى بريطانيا، لم يمنع هذه الدول من استضافة المزيد من اللاجئين السوريين والعراقيين، ليتبيّن لنا حجم التغيير الحاصل في القارة الأوروبية! فهذه الأعداد الكبيرة من المهاجرين المتزايدة، وجلّها من الدول الإسلامية، ستساهم في نشوء هوية أوروبية جديدة تختلف عن أوروبا الحديثة. والمستقبل، سيحمل تغييرات حقيقية سيعيد تشكيل مستقبل القارة العجوز لتجعلها متنوعة عرقيًا وثقافيًا.

Name

قرية Eisenärzt والتي بدأت ملجأً للمهاجرين الجدد/ الصورة من Harf Zimmermann for The New York Times