قبل أن تقرأ هذه المقالة، احفظ هذه الجملة: التصميم هو كيفية عمل الشيء، وليس كيف يبدو؛ سواءً كان تطبيقًا أو منتجًا أو حتى عمارة. أحياناً كنت أقع في هذا الغلط، كنت أعتقد أنّ التصميم فقط عبارة عن تناسقٍ جميلٍ في الألوان، وترتيب صفحات الموقع بشكلٍ منظم مثلاً. كنت أظن أنّ قمّة الإبداع في التصميم هو أن تراه العين جميلاً منسقًا. ولمّا كان اهتمامي بالتصميم، وجدت نفسي تائهًا بين صفحات الكتب في مجال تجربة المستخدم والتصميم له. ازدادت قناعتي مع كلّ كتاب أنتهي منه أنّي كنت مخطئًا في فهمي لِكنْه التصميم وماهيّته.

Design هي تزيين

التصميم كلمة واسعة، كلمة تدخل في كل شيء. وهي كلمة غريبة جدًا، تظهر في أعلى رونقها عندما لا يراها أحد. والجدير بالذكر أنّ كلمة التصميم هي الترجمة الخاطئة لكلمة Design، حيث إنّ كلمة Design هي تزيين من اللغة العربية، حيث تعتبر من الكلمات العربية التي انتقلت من ثقافتنا العربية في الأندلس إلى المعاجم الإنجليزية مع مرور الزمن. أفضل التصاميم على الإطلاق تلك التي لا يتحدث عنها أحد. وأسوؤها التي يتحدث عنها الناس بشكلٍ يومي. الأمثلة كثيرة، ولعلّ Uber وكريم مثالان رائعان لهذه النقطة، فتجد مستخدمي كريم على الجانبين، العملاء والكباتن، يجدون مشكلة في تحديد الوجهة التي سيذهبون إليها، بينما في Uber فنسبة العملاء الذين يدخلون وجهتهم النهائية هم الأغلب. هذا يضيف ميزة للسائق في Uber عكس الكابتن في كريم. والسبب، التصميم!

المستخدم: الأساس الذي يبنى له كل شيء

كون الموضوع واسع جدًا، فسيكون التركيز هنا على مرحلة ما قبل التصميم، ما قبل اختيارالأشكال أو الألوان، سيكون التركيز على المستخدم. كونه الأساس الذي سيبنى له كل شيء؛ المستخدم لتطبيقك أو موقعك أو أي منتج يتعامل معه، يحتاج أن يبنى بشكل يفهم طبيعة إدراك الإنسان. عندما تفهم كيف يعمل عقل الإنسان، فأنت حينها، تستطيع أن تفهم كيف سيتعامل المستخدم مع منتجك.

والأكيد أن هيئة فهم وإدراك الإنسان لا تخضع لنظام بعينه. فلو كان لإدراك الإنسان نظام محدد بشكلٍ يسهل فهمه، لكان تصميم المنتجات أسهل بكثير مما هو عليه في الواقع.

“إنّ عقل الإنسان صانع للمعنى. من أول جزء من الثانية لأي شيء تراه، أو تسمعه، أو تتذوقه، أو تلمسه، فأنت تبدأ في تحديد ما هو ذلك الشيء. تحدد علاقته بماذا تعرفه مسبقًا. وكذلك تحدد ما إذا كان مهمًا لأن تبقيه في عقلك أو تقوم بتجاهله.” من كتاب Slavin, 2003 صفحة 172

فعندما نفهم كيف يعمل عقل الإنسان على استيعاب المعلومات، حينها كمصممين أو مطوّرين نستطيع أن نتحكم في أي المعلومات أو الحركات التي نود المستخدم أن يدركها عقله ويحتفظ بها. وهناك نظرية الإدراك في التعليم التي تبيّن ماهيّة المعالجة والتخزين والاسترجاع للمعلومات من الذاكرة. وهي عادةً تعود لنموذج أتكينسون-شيفرين لمعالجة المعلومات، وهي تتمحور على الشكل التالي:

  • المعلومة القادمة من الخارج.
  • الذاكرة الحسيّة: إمّا تتجاهل الذاكرة المعلومة، أو تمررها
  • بداية المعالجة، وتحديد المسار.
  • الذاكرة قصيرة الأمد (الذكرة النشطة): إمّا تكرر الذاكرة المعلومة، أو تنساها
  • الذاكرة طويلة الأمد: قادرة على استرجاع المعلومات، وهي التي يعتقد العلماء أنّها ذات مساحة تخزين لا محدودة.
as-multi

والذاكرة الحسّية هي أول أنواع الذاكرة التي تحصل على المعلومات، تستقبل عدد ضخم جدًا من المعلومات التي تأخذها من الحواس الخمس للإنسان. وهي عادةً لا تحتفظ بالمعلومة لأكثر من بضع ثوانٍ. كأن تكون في متجر قهوة، فأنت هنا تسمع أصوات الناس، وصوت ماكينة القهوة، وتشم رائحة القهوة، وترى الناس داخلةً وخارجة … إلخ. وهنا تحدد الذاكرة الكثير من المعلومات التي لا تحتاجها.

إذا لم تستطع أن تحصل على انتباه المستخدم، فتأكد أنّه لن يفهمك

والمعلومات، أي معلومة كانت، لا تتجاوز الذاكرة الحسية، نهائيًا، إذا لم تأخذ انتباه المستخدم. فالذاكرة تسجل آلاف المعلومات وتحذف آلافًا أخرى. فإذا لم تستطع أن تحصل على انتباه المستخدم، فتأكد أنّه لن يفهم ماذا توده أن يفعل!

وإن حصلت على انتباه المستخدم، وأخذ المعلومة، فهي تنتقل إلى الذاكرة قصيرة الأمد. وهنا يستطيع العقل أن يحتفظ بعدد محدود من المعلومات، لا تزيد عن 4 معلومات في المرة الواحدة (cf. Miller 1956) لعدد ثوانٍ أطول من الذاكرة الحسّية.

وهنا في الذاكرة قصيرة الأمد يعمل العقل على معالجة البيانات وتنظيمها وتحديد ما إذا كان يودّ حفظ المعلومة أو حذفها. والتكرار على الذاكرة القصيرة هو مهمّ جدًا. فمتى ما طالت المدة للمعلومة في الذاكرة القصيرة وهي النشطة، كلّما كانت فرص أن تنتقل المعلومة للذاكرة طويلة الأمد. وبدون تكرار، فإن المعلومات تضيع بعد قرابة 20 ثانية (L. Peterson and M. Peterson 1959). وهي عادة عنق الزجاجة التي تنتقل فيه البيانات إلى الذاكرة الأبدية. وعندما أقول عنق الزجاجة، فهي حقًا بوابة صغيرة جدًا لتمرير البيانات.

وفي الذاكرة طويلة الأمد، نحن لا نخسر أي معلومة أبدًا. نحن فقط، نواجه صعوبة في استعادة تلك المعلومات. ولن أخوض في أقسام الذاكرة طويلة الأمد. وأعتقد أن هذه المقالة أصبحت علمية صرفة وربما تكون مملّة. وهذا ما لا أرغبه.

العامل الأساسي للوصول إلى التصميم الأمثل

وأستطيع القول أنّ فهم المصمم أو المطوّر لقدرة عقل الإنسان، عامل أساسي للوصول إلى التصميم الأمثل للمنتج النهائي.

وتجد كثيرًا من هذه النظريات تطبّق في تصميم الألعاب بشكل جليّ. فتجد في البداية يقوم مصمّم العبة بتقسيم خصائص اللعبة إلى أجزاء. فيبدأ اللاعب بتعلّم المشي ببطء وبسرعة، ومن ثمّ كيف يختار السلاح، وكيف يستخدمه، ثمّ يبدأ في تعلم القفز وبعض التقنيات، ثمّ يقوم المصمم بجمع المهام التي تعلمها اللاعب في مهمّة واحدة. حيث تصبح المهمة سهلة جدًا على اللاعب.

فهنا قام بأخذ خطوة واحدة، ومررها وكرّرها على الذاكرة القصيرة، حتى سجّلت في الذاكرة طويلة الأمد. وفعل الأمر ذاته في الخطوات التي بعدها. حينها أصبحت كل خطوة محفوظة في الذاكرة طويلة الأمد، وكلّ ما على المستخدم هو استرجاعها للذاكرة قصيرة الأمد. والمساحة للذاكرة قصيرة الأمد تصبح ضخمة جدًا عندما تكون المعلومات قادمة من الذاكرة طويلة الأمد (cf. Ericsson and Kintsch 1995).

والأمثلة كثيرة جدًا، ولأن المقالة طالت بشكلٍ لم أتصور أن تبدو عليه، سأختم بقول: إنه بدون فهم كيفية إدراك عقل الإنسان، لما استطاعت آبل أن تصنع الحاسب الشخصي بالشكل الذي ظهر عليه. وعملية الإدراك هي تراكبية، فهي مبنية على إدراكات سابقة وهذا ما يعطينا تجربة مستخدم متطورة في كل مرة. ولتجربة المستخدم مقالات عديدة قادمة.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.