الإيسام: من ختم الملكية إلى صناعة الهوية

للكاتب زيد إدريس

قديمًا، لم يكن لكلمة Branding ذلك المعنى الذي تعرفهُ لها اليوم، كلمةُ Branding أو الإيسام كانت تعني باللغة الإنجليزيّة القديمة: كيّ جلود البقر بأختامٍ رمزيّة للتعبير عن أصحابها، ومع أنّ كلمة Branding اليوم ما زالت تمتلكُ شيئًا من هذه الروح، إلّا أنّهُ لمن الجليّ كونها قد تطوّرت لتعبّر عن معانٍ أوسع من أختام الملكيّة.

اليوم، هنالك عددٌ هائلٌ من التعريفات للهويّة، رغم أنّها متفاوتة في عدد الكلمات ومعاني التعبيرات المستخدمة، إلّا أنّها جميعًا تتشاركُ في إخبارك بأنّ الإيسام أكبر ممّا تعتقد، لأبسّط الأمر لك، الإيسامُ هو السبب الذي يجعلك تفضّل شرب قهوتك صباحًا في ستاربكس بدلًا من أن تشربها من يديّ والدتك، السببُ الذي يجعلك تشعرُ بالإبداع عندما تقرأُ أيّ كلمةٍ إنجليزيّة مسبوقةً بالحرف "i"، السبب الذي يجعلك تنامُ نومةً أهنأ في فندق فورسيزونز من نومك على أيّ فراش آخر.

كمصمّمٍ، قد تشعرُ بأنّ الإيسام هو عبارةٌ عن نسخ شعار جهةٍ ما ولصقه بضع مرّاتٍ في أظرفتها ومغلّفاتها وبطاقات أعمالها، لكنّ الإيسامَ اليوم كما يتّضحُ هو أكبرُ من هذا بكثير، والجزءُ البصريُّ من الإيسام هو مجرّدُ ركنٍ صغيرٍ آخرَ من أركانه.

Name

تركز إعلانات Nike على تكريم الرياضيّين وتشجيعهم

في حديثٍ لستيف جوبز حول التسويق، ذكر ستيف أنّ أفضل مثال على التسويق هو تسويق شركة Nike لأحذيتها، فهم ببساطةٍ لا يتحدّثون أبدًا في إعلاناتهم عن المنتج الفعليّ، كما أنّهم لا يقارنون منتجاتهم بمنتجات منافسيهم، بل يركّزون على أمرٍ مختلفٍ تمامًا، حيثُ تركّز إعلانات Nike على تكريم الرياضيّين وتشجيعهم.

رغم أنّ التسويق مختلفٌ عن الإيسام، إلّا أنّ مثال جوبز مناسبٌ جدًّا لشرح معنى الإيسام، لو أخبرتك مرارًا وتكرارًا بأنّ الحذاء الذي أحاولُ بيعك إيّاه رائع، سأبدو تمامًا كأيّ مندوب مبيعاتٍ دقَّ باب بيتك من قبل، لكنّني لو أخبرتكَ بأنّ هذا الحذاء مرتبطٌ بالحريّة، والراحة والإنجاز، رابطًا هذه القيم بمنتجي، فإنّني أراهن على أنّك حتّى إن لم تشتره، فستشعرُ على الأقل بقيم هذا الحذاء كلّما شاهدته.

ما الذي نستفيده من هذا؟ الإيسام عبارةٌ عن قيم.

ما هو المشروب الأطيب مذاقًا بالنسبة لك؟ يبدو سؤالًا صعبًا، لكنّني لو سألتك عن المشروب الذي يُشعرك بالفرحة وتحبُّ مشاركته مع الناس، فسأراهن حينها على أنّ كوكاكولا قد طرأت على بالك، وكما ترى، كوكاكولا لا تقدم لك مشروبًا لذيذًا -بالضرورة-، بل تقدّمُ لك الفرحة.

الإيسام ليس متعلّقًا بالشركات فحسب، إنّهُ كلُّ شيءٍ بين شعار ماكدونالدز واسم ليونيل ميسّي، الإيسامُ هو أيضًا السبب الذي يربط لك اسم السيّدة كوكو شانيل بالأناقة، ولأنّ الإيسامَ متعلّقٌ أيضًا بالأشخاص، فما يلي مهمٌّ لك أيضًا، عزيزي القارئ.

كما ترى، لأنّ الإيسامَ ليس متعلّقًا فقط بشركتك، أودُّ أن أسألك عن طريقة إيسامك لنفسك، ما القيمُ التي تتعلّقُ باسمك ويفكّرُ بها الناس عندما يُذكرُ اسمك أمامهم؟ إن كنت لم تحدّد هذه القيم بعد، فهنالك عددٌ لا بأس به من الفرصِ الوظيفيّةِ والأحلام المنتظرة قد ضاعت -ربّما- بسبب ذلك.

Name

القيمُ Value، والفوائدُ Benefit، والنبرة Tone

لإيسامِ أيّ شيء، ليس فقط شخصك أو شركتك، لابدّ لك من تحديد ثلاثة عناصر؛ القيمُ Value، والفوائدُ Benefit والنبرة Tone، ورغم أنّك إن بدأتَ بالتعمّقِ أكثرَ في مجال الإيسام ستكتشفُ وجود عناصر أكثر بكثير، إلّا أنّ هذه الثلاثة في سياقِ هذه المقالة كافية.

ما هي قيمك؟ وما الذي تُعبّرُ عنه (Stand for)؟ القيمةُ التي تربطُها بما توسمه هي القيمةُ التي سيشتريك الناس -أو خدماتك- لأجلها، هل أنت شخصٌ مضحك؟ قويّ؟ خطيب؟ لابدّ لك من اختيار قيمةٍ معيّنةٍ تودُّ ربطها بك، وطبقًا لأهميّةِ هذه القيمة، سيرغبُ الناسُ بك أكثر، تذكّر أن الناس يحبون الحريّة مثلًا أكثر من التفهّم، اختر لذلك قيمك بتمعّنٍ، فقد لا تبدو مهمّةً للكثير.

الفوائدُ التي تربطُها باسمك هي الأسباب التي يحتاجك الناس لها. ركّز رجاءً بالكلمات المختارة هنا، فالفائدة غير الميزة، والحاجةُ غير الإرادة، الفوائدُ عنصرٌ يظهرُ أكثر في عالم إيسام الشركات والمنتجات والخدمات ممّا يظهرُ عليه على المستوى الفرديّ، لكنّها موجودةٌ في هذا الأخيرِ أيضًا؛ أولا أستفيدُ من المحامي في حلِّ قضايي، والطبيب في علاج أمراضي؟ إن ربطتُ كمهندسٍ مدنيٍّ اسمي بفائدتيّ الدقّةِ والأمانة فسيفكّرُ عملائي فيَّ كلّما احتاجوا إلى خدمات الهندسة المدنيّة، لأنّ اسمي ارتبط لديهم بالفوائد التي يبتغونها من المهندس المدنيّ.

تذكّر أن الفائدة أكبر من الميزة، قد تكون ميزتي هي تقديم استشاراتٍ طبيّةٍ لشخصين من عائلتك عند زيارة عيادتي لكنّ فائدتي هي علاجك -بإذن الله- من الأمراض المستعصية.

أخيرًا تأتي النبرة، ما الفرقُ بين "JUST DO IT!" و"I'm Lovin' it"؟ هذه هي النبرة، إنّها الطريقةُ التي تحدّثُ بها مجتمعك، الصوتُ واختيارُ الكلمات، بالنسبة لي، النبرةُ أكبرُ من الجزء اللغويّ في الإيسام، بل أراها متعلّقةً أيضًا بالجزء البصريّ، فالأشكالُ المبعثرةُ المرسومةُ بخطّ اليدِ تعبّرُ عن نبرةٍ حيويّةٍ تستهدفُ الشباب والمراهقينَ مثلًا، في حينِ أنّ الألوان الراقية المتناسقة تعبّرُ عن نبرةٍ فخمة، وهذا عمومًا محطُّ جدلٍ لا يهمّ.