الإنسان هو المخلوق الوحيد القادر على تصور المستقبل. فالحيوانات تتعلم من التجربة والخطأ أما الإنسان يتعلم من أحداث لم تقع بعد. كل يوم نغلق أعيننا و نقوم بتخيل أمرٍ مستقبلي إن كان الذهاب إلى عيادة طبيب الأسنان أو زحام الطريق المؤدي إلى العمل. لكن في الكثير من الأحيان تكون تصوراتنا خاطئة. فمن الممكن أن تتصور أن خسارة عملك أمر فظيع لكنه يصبح أفضل ما حصل لك في حياتك أو أن شراء سيارة جديدة سيغمرك بالفرحة الغامرة لكن يكون شيء يشعرك بفرح بسيط لا أكثر.

سبب عدم فعالية تصوراتنا المستقبلية

دانيال جيلبرت باحث في مجال علم النفس مر بسنة مفعمة بالأحداث السيئة. في خلال حوار مع ذاته تفاجأ بأنه لو كان يعلم عمّا سوف يحدث في ذلك العام لكانت توقعاته أنه سوف يكون في حالة إنهاير واكتئاب تام، وفي واقع الأمر كان عامًا سيئًا، لكن لم يكن بذلك السوء. قام دانيال بتسخير الكثير من الوقت مع زملائه الباحثين لاكتشاف سبب عدم فعالية تصوراتنا المستقبلية.

كان دانيال أحد المؤيدين لعبارة المزيد من الحرية تؤدي إلى المزيد من السعادة فقام بإجراء تجربة تدرس هذه النظرية. خلال هذه التجربة ألحق هو وفريقه مجموعة من الطلاب في دورة تصوير فتوغرافي وفي نهايتها قاموا بتقسيم الطلبة إلى مجموعتين: مجموعة تم الطلب منها اختيار صورة واحدة فقط من بين الصورتين اللتان التقطوهما وأن التي لم يقع الاختيار عليها لن يتمكنوا من الحصول عليها مجددًا.

أما المجموعة الثانية كان بإمكانهم اختيار أي صورة وتبديلها بالصورة الأخرى مدى الحياة. بعد أن اختار كلٌ من الطلبة صورته قام دانيال وفريقه بمتابعة مدى مستوى السعادة في كل من المجموعتين فوجدوا أن المجموعة التي توجب عليها الالتزام باختيار صورة واحدة أكثر سعادة من المجموعة الأولى.

سوف ترى أنها أجمل كنزة في العالم

التبرير هو التصرف الذي يقوم به دماغنا خلال عملية اختيار أمرٍ محتم فيبدأ بإظهار الصفات الحسنة في الأمر لك ليقنعك أنك اخترت الأفضل بين الاختيارات. أما في حالة تعدد الاختيارات يقوم الدماغ بإظهار مساوئ الاختيار لافتراض أن الخيار الثاني هو الأفضل. فعندما تقوم بشراء كنزة يمكنك استبدالها تقوم بالوقوف أمام المرآة ورؤية العيوب الموجودة فيها أمّا إن توجب عليك إبقائها فسوف ترى أنها أجمل كنزة في العالم. مما يعني أن المزيد من الحرية في الاختيار لا يعني دائما المزيد من السعادة.

توصل دانيال أننا نواجه مشكلتين أساسيتين في التصور الأولي، كونها أننا لا نجيد تخيل التفاصيل والثانية أننا لا نعلم من سوف نكون في المستقبل. خلال تخيل موقف مستقبلي نقوم فقط بتخيل الأحداث الأساسية في الموقف فإذا طلبت منك تخيل زيارة إلى طبيب الأسنان فكل ما تتخيله هو زيارة مؤلمة وأيدي الطبيب في فمك لكن تنسى أن أحداث تسبق وتلي جلوسك على مقعد الطبيب فهناك افتراض هل ستكون سيدة الاستقبال لطيفة؟ كم من الوقت سوف تستغرق في غرفة الانتظار؟ ولا تنسى فرشة الأسنان المجانية!

ومن الممكن أن يكون حلمك اليوم أن تحصل على سيارة فراري حمراء وتعتقد أن هذا هو الاختيار الأفضل لك، لكنك بعد عشر سنوات سوف تفضل أن تملك سيارة عائلية تمكنك بالذهاب في رحلات مع أسرتك.

لا ندرك مدى قابليتنا للتغيير

اكتشف دانيال أننا لا ندرك مدى قابليتنا للتغيير، فيعتقد المراهقون أنهم سيبقون كما هم عليه طوال حياتهم بقصات شعرهم الغريبة وأزيائهم الخارجة عن نطاق العادة وشخصياتهم المخاطرة. قام دانيال بإحضار مجموعة في سن الثامنة عشر ومجموعة في سن الثامنة والعشرين. سأل مجموعة الثامنة عشر ما هي توقعاتكم للمدى الذي سوف تتغير في شخصياتكم في العشرة سنسن المقبلة؟ وسأل ذوي الثامنة والعشرين ما مدى التغيرات التي طرأت على شخصياتكم خلال العشر سنين الماضية؟ تمحورت إجابات مجموعة ذوي الثماني عشرة سنة حول أنهم لن يتغيروا كثيرًا بينما أشارت مجوعة الثامنة والعشرون إلى أنهم أشخاصٌ مختلفون تمامًا. الأمر ذاته حصل مع مجموعتين أخرى، مكونة من مجموعة في سن الثامنة والخمسون ومجموعة في سن الثامنة والستون. فيتوقع الأشخاص في مجموعة الثامنة والخمسون أنهم لن يتغيروا بعد كل هذا العمر بينما جزمت مجموعة الثامنة والستون أنه قد طرأت عليهم تغرات عديدة. يتم التوصل من خلال هذه التجربة إلى أننا لا نجيد تصور كيف ستكون شخصياتنا في المستقبل فنحن دائمًا في اقتناع بأنّنا سوف نبقى على ما نحن عليه.

فما هو الحل لتحسين تصورنا للمستقبل؟ الإجابة بعد خمسة عشر عامًا من البحث هي أنه لا توجد طريقة لنملك تصورًا دقيقًا للمستقبل. الحل الوحيد لنحدد الناتج عن إحدى المواقف هو الاستناد على خبرات أشخاص أخرين. من إحدى التطبيقات التي من الممكن أن تساعدك على تكوين تصور أفضل هو تطبيق Yelp الذي يوفر ساحة للناس لإدلاء أرائهم عن الأماكن التي ارتادوها.

وكذلك هنا مثال آخر أقرب، وهو ما طرأ على الوطن العربي مؤخرًا ظاهرة الربيع العربي. فكانت تمتلئ شوارع كل دولة بمواطينيها الذين يطالبون بإسقط الحكم. مع كل دولة تأخذ بهذا المنهاج ازدادت دموية الانقلاب. كل سكان دولة يلتزمون الشوارع معتدين أنهم سوف ينالوا مكسبًا مختلفًا. فنحن على اعتقاد دائم بأننا مختلفين عن الأشخاص الآخرين وأن أراؤنا سوف تختلف عنهم وأننا نحن الحكم الأفضل لاختياراتنا. تسمى هذه بالحال بالتميز حيث نعتقد أننا مختلفين أن الجميع حيث أنه في واقع الأمر لينا بذلك الاشختلاف وأننا سوف نتفق على أرائنا في العديد من التجارب.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.