لك أن تتخيل معي أنّ السعودية، منذ بدايتها وحتى اليوم، تهدر مئات الملايين من الريالات يوميًا، هذه الملايين ترمى في الشارع. لكي أكون أكثر دقّة في الرقم، ففي عام 2001  هناك دراسة تفيد بأنه أكثر من 30 مليار ريال سنويًا يتم هدرها بشكل مباشر أو غير مباشر في مجال النفايات!

من يعرفني جيدًا، يعرف مدى إهتمامي بمسألة النفايات وتدويرها. أتذكر تمامًا، أنّني وأخي كنّا في دبي، ودعاني لأن أرى تنوع النفايات في الشارع هناك، كانت بالنسبة لي شيء يبعث السعادة في نفسي بمجرد ما أرى إهتمام دولة ما بنفاياتها. أعتقد أنّي استطيع أن أقول إن أردت أن تعرف مدى تحضّر دولة ما، شاهد نفاياتها، وتستطيع أن تعرف عنها الكثير.

كانت هناك، في دبي، أربع أنواع من الصناديق، واحد للعلب، والآخر، للورق، وآخرٌ للبلاستك، والبقية في صندوق. هذا التوزيع للنفايات يساعد شركات إعادة التدوير لإعادة صناعة المزيد من المنتجات دون أن تستهلك من موارد الأرض أي شيء. الشركات من حول العالم تعمل على تقليل استهلاك موارد الأرض بقدر الإمكان. وقد لاحظنا آبل مؤخرًا عندما أعلنت عن مشروعها ليام الذي يفكك جهاز iPhone في 11 ثانية لتتمكن الشركة من إعادة تدوير القطع لصناعة iPhone جديد.

عندما عشت في الولايات المتحدة، كانت هناك ثقافة موجودة، لكل بيت صندوقان: واحد للمنتجات القابلة للتدوير، والثاني، للمخلفات العضوية. عدم قيامك بتوزيع النفايات للشركة التي تزيل النفايات، سيعرضك لأن تبقى نفاياتك أمام منزلك وقد تصلك غرامة تجاه هذا الأمر. هذا الأمر ليس أمرًا شكليًا تتظاهر فيه المدن بأنها منظمة، بل هو حاجة ملحّة لأن نحافظ على هذا الكوكب.

هذه الأرقام تعود لعام 2014، حيث أنّ النفايات في المملكة تشكّل 60% منها نفايات عضوية، و26% منها ورقي وبلاستيكي. ولأن المملكة لا تفرز تلك النافايات، فهي لا تستطيع أن تستفيد من تلك النفايات. حتى مع وجود محاولات للاستفادة، فإنك تجد الوزارات المعنية رافضة لتلك الفكرة.

في كتاب 1000 ميل في خطوة واحدة، يذكر الكاتب، أنّه قد تواصل مع وزارة الشؤون البلدية والقروية بصفتها المسؤولة عن صناديق النفايات في المملكة، طلبًا منهم أن يسمح له بأن يضع صناديق خاصّة بجمع الورق في الأحياء السكنية. إلاّ أن الوزارة رفضت. وبعدها عاد، وألحّ في الطلب، وعرض أن يتحمّل نفقات حملة دعائية كبيرة تفيد بأنّ كلّ صندوق مملوء بالورق سيتبرع بقيمة 100 ريال للإغاثة الإسلامية وغيرها من الجمعيات الخيرية. كما تتوقعون. رفضت الوزارة!

“استطاعت معظم الدول الصناعية تحقيق مستويات عالية من إعداة استرجاع أو تدوير نفاياتها سواء المعندية منها أو العضوية كمخلفات الأطفة وإتلافات الورق والكرتون ونافايات البلاستك والأقمشة، فانتشرت فيها آلاف المصانع…

… ويخسر اقتصاد المملكة سنويًا بلايين الريالات نتيجة عدم الاستفادة من النفايات واللجوء إلى حرقها أو طمرها في مقالب البلديات…”

– عبدالله بن مساعد

اليوم في مدافن النفايات في مدننا، تستطيع الحكومة أن تدفن النفايات العضوية وحدها، وتعطي ترخيصًا للشركات لاستخراج منها غاز الميثان الذي يعد ذهبًا هو الآخر. غير أن البلاستك وبقية النفايات الصلبة تستطيع أن تدار من قبل شركات أخرى تعيد تدوير ما يمكن، وبهذا نضمن لنا اليوم حياة أفضل وفرص لنشوء شركات جديدة ووظائف، ونضمن وهو الأهم حياة على هذا الكوكب لأجيالنا القادمة.

لا أعتقد أن على الحكومة ممثلة في الوزارات المعنية عليها أن تقوم بهذا العمل بنفسها. على العكس، هي فقط منظم ومراقب للمنظومة الكاملة. عندما تحفز الشركات أن تقدم عروضًا لأخذ المنتجات القابلة للتدوير، هذا من عمل القطاع الخاص، الذي يربح هو الآخر. وتستطيع كذلك أن تطلب من الجمعيات الخيرية وتدعمها، نشر ثقافة إعادة تنظيم الأكل الفائض، كما تفعل إطعام، سيقلل من المشاكل التي نعانيها جميعًا.

 



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.