النفط.. ذاك السائل الأسود الكثيف الذي يستخرج من باطن الأرض ليسهل حياة الناس على سطحها باتت مركباته ومشتقاته جزءًا لا يتجزأ من حياتنا فنجدها في كل شيء: الكهرباء والاتصالات والمولدات والهواتف والتلفزيونات، وكذلك في الأوراق والملابس والأطعمة والأواني، فكل شيء تقع عليه أعيننا لا يكاد يخلو من مشتق أو إثنين من مشتقات النفط، حتى أصبح الاستغناء عنه أمرًا شبه مستحيل، وكأننا نسينا بأنه مركب محدود ناضب لا محاله.

بداية عصر البلاستيك

مع انتشار الكهرباء في بدايات القرن العشرين كانت تستخدم مادة الشيلاك كمادة عازلة تُغلف بها أسلاك الكهرباء لمنع حدوث الحرائق والتماسات الكهربائية، كان الشيلاك المستخرج من بعض أنواع الخنافس الهندية مكلفًا للغاية فلتحضير نصف كيلو من الشيلاك يلزمنا 15 ألف خنفساء يتم جمعها على مدار 6 أشهر. لم يكن الشيلاك الحل الأمثل ولكنه كان الوحيد آنذاك. حتى عام 1907 عندما قام الكيميائي الأمريكي-البلجيكي ليو بيكلاند من خلط كميات مقدرة من كلٍ من الفورمالدهيد و الفينول المستخرج من النفط وتعريض هذا الخليط لدرجات حرارة وضغط عالية، مخترعًا بذلك مادة مقاومة للاحتراق، و سهلة التشكيل، وكذلك رخيصة الثمن، اسماها باكيليت نسبة له. ليضع بهذا الاختراع اللبنة الأولى للصناعات البلاستيكية في العالم .

الباكيليت الذي يتميز بلونه البني الداكن المائل للسواد، له خصائص شبيهة بخصائص البلاستيك اليوم وقد انتشر استخدامه في بداية القرن العشرين لقى انتشارًا واسعًا، فدخل في صناعات الأواني المنزلية، وعوازل الكهرباء، والهواتف، ولُعب الاطفال وكرات البلياردو وفراشي الأسنان، حتى سمّي بمادة الألفي استخدام.

ومع تطور الصناعة المستمر أصبحت هناك مواد منافسة للباكيليت من حيث الصلابة والخفة وتعدد الألوان كالميلامين والبلاستيك، ولم يعد الباكيليت منتشرًا كالسابق فلا نراه اليوم إلا في كوابح السيارات وهياكل الأقمار الصناعية. نستطيع القول أن ليو بيكلاند كان له كبير الفضل في بداية ما يسمى بعصر البلاستيك.

ولكن ماذا عن أضراره؟ لا يكاد يمر يوم دون أن نسمع فيه أحد أنصار البيئة يحذر من أضرار البلاستيك على كوكب الأرض و صحة الإنسان. فتفاعل الأواني البلاستيكية مع بعض الأطعمة الساخنة قد يسبب أمراضًا سرطانية، وبحارنا مليئةٌ بأكياس بلاستيكية تتسبب في اختناق مئات الأسماك يوميًا. وكذلك علب البلاستيك التالفة في النفايات تبقى كما هي دون تحلل لمئات السنين محدثة بذلك تلوثا بيئيا خطيرًا. فكان لابد من وجود بديل ذو خصائص مشابهة لخصائص البلاستيك و بأضرار أقل. بديل يمكنه التحلل في مدة زمنية قصيرة دون إحداث ضرر بيئي أو صحي، وكان البيوبلاستك هو هذا البديل.

336939_9a4b2a60ed8a4754b136cbb42ca94c81

بلاستك من قصب السكر

البيوبلاستك أو البلاستيك الحيوي هو بلاستيك مصنوع كلياً أو جزئيًا من مواد مستمدة من المصادر الحيوية، مثل قصب السكر ونشا البطاطا ،أو السليلوز المستخرج من الأشجار والقش،غالباً ما يُصمم البيوبلاستك ليتحلل حيويًا عن طريق الفطريات والبكتريا، أو يتحول لسماد في نهاية عمره الإنتاجي، هذه الميزة التي سمحت بإدارة نهاية عمر المادة واعتمادها على مصادر مستدامة بعكس نظائرها من المواد القائمة على النفط جعلت من البلاستيك الحيوي مادة صديقة للبيئة، ترى فيها الشركات مستقبل الصناعة القادم مما ضاعف من انتاجه في السنوات القليلة الماضية، فتخيل أن تعطي ابنك لُعبته البلاستيكية دون منعه من وضعها في فمه، أو أن تستخدم النفايات البلاستيكية كسماد لحديقة منزلك، أو أن تسبح في مياه البحر دون أن يعلق كيس بلاستيكي في قدمك.

ولكن رغم فاعلية البلاستيك الحيوي وأمنه على البيئة، إلا أنه لم يسلم من النقد الحاد فلكونه يعتمد على بعض المنتجات النباتية فإن استغلالها على المدى البعيد سيكون على حساب غذاء الإنسان، كما أن تكلفة إنتاجه التي تقدربخمسة أضعاف تكلفة إنتاج البلاستيك التقليدي سترفع من سعر بيعه في الأسواق. الأمر الذي لن يجذب الناس لشرائه خصوصًا مع استمرار وفرة إنتاج البلاستيك التقليدي وقلة الوعي بمخاطره.

يبقى الحل الوحيد هو إعادة تدوير هذه المخلفات البلاستيكية الذي مازال دون المستوى المطلوب، فأكوام البلاستيك فازدياد يومًا بعد يوم ويُتوقع أنّه بحلول عام 2050 ستبلغ كميتها 33 مليار طن.

البلاستيك كغيره من مشتقات النفط التي غزت حياتنا ،لتصبح جزءًا لا يتجزأ منها رغم علمنا بخطورتها وسُميتها إلا أنها أصبحت شرٌ لا بد منه.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.