الصادق النيهوم

النيهومية

نسرين إسماعيل
30 مارس، 2020

من هو النيهوم ؟

قلم ليبي استثنائي، لم يكن مجرد كاتب، بل كان منشئًا لفكر ومجددًا لطريقة، وكان يحاول خلق أيدلوجية لشعب تقليدي بدائي يرتكز على العادات ولا يزال ينفض عن أكتافه غبار سنوات الاستعمار؛ شعب يصبو إلى الانتعاش والنهوض ولكنه يخشى أيضًا المساس بأي قيمة أو فكرة دينية، حتى لو كان ذلك تحت مسمى التجديد والتطوير.

عاصر الصادق النيهوم جيل الحرب العالمية الثانية، فكان ابن جيل متميز ومتمرد. وُلد النيهوم النهم في العلم والفكر والتغيير، والعقل الليبي المتفرّد الذي كسبَ المريدين المخلصين والمعارضين اللاذعين- في بنغازي عام 1937، ورحل عن الدنيا قبل أن يخطوَ إلى الستين عام 1994. كان ذا أسلوب مختلف في الطرح الأدبي والفكري حيث كتب عدة مؤلفات فكرية منها “الذي يأتي والذي لا يأتي” و”الرمز في القرآن” و”تحية طيبة وبعد” و”فرسان بلا معركة” و”الإسلام في الأسر”، وأعمال أخرى فنية أدبية منها “من مكة إلى هنا” ورواية “القرود” وغيرها.

ورغم قلة حظه من الشهرة والذيوع، إلا أن من يقرأ له سيقف كثيرًا عند كلماته ليجد فيه المفكّر الساخر والبدويّ المتمدّن، فقد كان النيهوم من أوائل مشعلي فتيل التنوير، إذ حاول صناعة عقل إنسانيّ يستوعب الجميع دون إقصاء أو تكفير أو كراهية. ولو تتبعنا كتاباته ومؤلفاته، سنجد تكرار النيهوم لفكرة مفادها أن الجهل وحده عدو الإنسان، وما من عدو أشد على المرء من نفسه إن هيَ تصنّمت، فيقول: “لأن الإنسان -مثل ساعته- إما أن يمشي، أو يذهب إلى ورشة التصليح”.

لمع نجمه منذ شبابه، فقد بدأ مترجمًا عن الإنگليزية لمجموعة مقالات في مجلة محلية، ثم كتب مقالات في صحف عربية أشهرها صحيفة الحقيقة، وانتقل بعدها ليكون سيد غلاف مجلات وصحف عالمية، فكتب في النقد الأدبي، والمقالة الأدبية، والقصة القصيرة، والروايات، ومقارنة الأديان والفكر، وناقش وحاضر بعدّة لغات أثْرَت ونفعت، وكان فيها بصمةٌ نيهوميّة خالصة لا تخفى لمن يمعن في طريقة صقلها وطرحها.

ما الذي أراده النيهوم؟

لقد كان هدف النيهوم إخراج المجتمع من دائرة التخلف والجهل إلى سبيل النور، وعلى عكس الانبهار الذي كان شائعًا وقتها في الستينيات بأمجاد عبد الناصر والوحدة والخطابات القومجية والشعبوية، كانت عينا النيهوم ترنو نحو نهضة أوربا وسياستها، وتقدم أميركا وانطلاقتها.

وكان يريد استلهام ما يمكن تسميته بـ”الكاتالوج” لبدء مشوار خروج العقل الليبي من الجلباب التقليدي إلى فضاء أرحب من العلم والتنوع والتجديد، وتقبل الاختلاف والتعايش. وحاول بما يملك من أدوات أدبية فكرية صياغة مشروع نهضة اجتماعية ليبية ليست الانقلابات السياسية أحد أركانها، ولكنه فضّل أن يكون مبتدأ التغيير بطرح أفكار تنويرية اجتماعية وسياسية.

الصادق النيهوم – مجلة الجديد

الغريب أنّنا ما زلنا نستطيع اليوم قراءة ما كتبه النيهوم منذ ما يقارب نصف قرن، وإسقاطه على واقع لم يتبدل ولم يتغير إلا قليلًا. وبالرغم من سلبية هذا الأمر -حيث إننا مجتمع شبه راكد-، فإن له دلالات على أن النيهوم لم يكن مجرد كاتب ومفكر، بل كان محترفًا موغلًا في أعماق المجتمع الليبي. قال ذات مرة: “ليبيا دولة من القش فوق بحيرة من البترول، ما أسرع أن تأكلها النيران” وما أصدق هذه المقولة اليوم!

النيهوم والسلطة

لطالما جرَّت السياسة مثقفين فصيّرتهم لها وبها، وكم انزلقت أرجل مفكرين آخرين على بلاط الحاكم فتغيّر اتجاههم وتبدّل لونهم، فصار المثقف بمثابة كاهن القصر وفقيه الولي. ولو تتبعنا التاريخ لوجدنا أن نيهوم ليبيا امتدادٌ للمتنبي وسيف الدولة وغيرهم من أرباب الفكر والأقلام الذين دخلوا بلاط الساسة طامعين في الإصلاح أو التفاح.

معمّر القذّافي – قناة 218

وعلاقة النيهوم بالسلطة غير واضحة المعالم لأكثر الناس، فقد كان مقرّبًا من القذافي خاصةً في أوائل سنوات الحكم، غير أن علاقته به لم تكن عميقة بما يكفي لتصيّره سياسيًا خالصًا، ولعلّها فطنةُ النيهوم التي أنقذته من الولوج إلى متاهة السياسة فآثر أن يبقي كتاباته عامة فضفاضة فكريّة أكثر منها سياسية. وكان ذكيًّا في اتقاء غضب الساسة وبطشهم، فآخاهم وكسب ودّهم دون تزلّف ولكن بطريقته، وبلا شك أن في هذا ما ينمّ عن ذكاء النيهوم في التعامل مع شخصيات صعبة كالتي عاصرها.

وشغل النيهوم منصب أمين الدعوة والفكر أيام الجماهيرية، ثم أُقصيَ النيهوم، أو لعلّه أقصى نفسه إلى حيث يليق بها، فهاجر إلى فنلندا وتزوج هناك، وظل متنقلًا بين ليبيا وبيروت وجنيف عاملًا في سلك الصحافة والتلفزيون. لقد منحت السلطةُ النيهوم صلاحيات عدّة، ولكنها سلبت منه أيضًا ود الشعب الذي لا يزال حتى اليوم يرى النيهوم محسوبًا على الساسة والسياسة.

زامر الحي لا يُطرب

جاء كعاصفة في بلد اعتاد طقسًا فكريًا هادئًا يخشى أن في تغييره انزلاقًا نحو ما يخشاه. وجاء بثورة تشكيكيّة ومنهجيّة -رغم أنها لم تكن جديدة لدى المفكرين الإسلاميين-، لكنها قوبلت بالرفض حينًا والاستهزاء حينًا آخر. شكّك النيهوم في بعض المفاهيم الدينية المغلوطة ورفض القيود الظالمة المفروضة على المرأة، فكتب الكتاب المثير للجدل “الحديث عن المرأة والديانات” الذي طرح فيه رأي الأديان السماوية وموقفها من المرأة، وكيف تعاملت معها وأي حقوق وواجبات قلّدتها.

وانتقد النيهوم الكثير من العادات والتقاليد التي لا مرجع لها، وألحّ على ترسيخ فكرة أن “الدين وسيلة لا غاية”؛ وسيلة لحياة أفضل وأيسر، فالدين -برأي النيهوم- عملٌ ومبدأ ومنهج وموقف عقلي، ليس تجاه القضايا الدينية وحسب، بل تجاه جميع القضايا التي تهم الناس.

كان له هاجس تحطيم الأصنام الفكرية، وكان يفترض أن الانفتاح والتنوير لابد أن يترافقا مع حركة اجتهادية فقهيّة تقلّب أوراق الموروث الديني، وتعمل على تجديده بما يناسب اليوم والآن اجتماعيًا وسياسيًا.


لقد سعى النيهوم لمساعدة الإنسان على إعمال عقله عند تعاطيه مع النص الديني، رافضًا القوالب المجمّدة والأفكار الصنميّة البائدة، وحاول أن يعيد قراءة النص الديني بعين الحاضر ساعيًا إلى التجديد وجعل الدين منهجَ حياة لا إرثًا جامدًا. كان النيهوم -بكل ما كتبَ وقدّم- يؤكد في كل مرة على أنه مثال للمفكر الحر الطامح لزلزلة العقل الجامد واستفزاز أفكاره.

روايات الصادق النيهوم – تويتر

فخ التنظير الجماهيري

لكن وفي الجهة الأخرى، يرى آخرون أن النيهوم -رغم كونه كاتبًا عملاقًا- وقع في فخّ التنظير الجماهيري والفكر الأوحد والعبقرية القذافية الفذة التي لا تحب من يقف بجانبها بل ويزاحمها.

وعرفه بعض الناس فقالوا إن ما كان عليه القذافي من تنظير، وما كان يكتبه مثل الرواية أو القصة التي أخرجها باسم “القرية القرية، الأرض الأرض، وانتحار رائد الفضاء وقصص أخرى”- للنيهوم يد فيه، بل وقالوا إن “الكتاب الأخضر” لم يغب النيهوم عنه، وكلها اتهامات لم تثبت، فقد مات طرفاها وربما لم يعد بالإمكان التحقق من صدقها أو عدمه.

يعلّق آخرون بأن موهبة النيهوم لا خلاف فيها فهو كاتب عبقري دون شك، غير أنه لو اقتصر واكتفى بحظه من الكتابة الفنية الأدبية دون الولوج إلى الفكر والدين والسياسة،  لكسب جمهورًا أكبر ولكفى نفسه سخط المؤسسة الدينية التي لا يُرى أنه كان موفقًا في الكتابة عنها ولا عن فكرها الإسلامي، فقد كان النيهوم ناقدًا لاذعًا لها ومستفزًا لثوابت أفكارها ومنهجيتها، وقد ترك خلفه علامات استفهام كثيرة يصعب على الجميع فكّ شفرتها وفهم مراميها.

هل تحقق حلم النيهوم؟

لم يكن النيهوم محظوظًا في الفترة التاريخية السياسية التي وجد فيها، فظل مخفيًا وقلّ من عرفه خارج ليبيا بل وحتى في داخلها، لأن معرفته اقتصرت على نخبة المثقفين. وبما لدينا اليوم، نستطيع القول آسفين إن النيهوميّة فكرٌ سبق زمنه فلم يصل إلى الأكثرية لا محليًا ولا عربيًا، ولم يُفهم لدى الأغلبية ولم يُعط قدره من الدراسة والتحليل. وإجابة السؤال هي أن حلم النيهوم كحلم كل العرب لا يزال بعيدًا؛ حلمُ الحرية واستقلال العقول الذي يتوازى مع استقلال واستقرار الأوطان، لأن الحرية ليست هدفًا سياسيًا وحسب، بل هي ضرورة إنسانية وحجر أساس للصورة المُثلى للحياة الكريمة التي يريدها الليبي والعربي.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×