اطّلع على كل ما ننشره عن جائحة كورونا وأثرها على الوطن العربي

صلّوا في رحالكم


البداية

ورشة نشطة قد وُزِّعت فيها الأدوار بعفوية، فالكل هنا متطوع؛ ثلة من الرجال ينقلون عددًا من جذوع النخل، ومجموعة هنا ينسجون الجريد ليوضع على السقف، وواحد في طرف قصي يخلط الرمل بالماء ليصنع الطوب اللبن.

المكان هو المسجد النبوي الشريف، والزمان هو السنة الأولى للهجرة، ومشروع التشييد ذا يقع في طليعة المشروعات التي أمر النبي ﷺ بتنفيذها في المدينة، ليصبح المسجد قلب المدينة الذي ينبض ليلًا ونهارًا؛ صلاة تُؤدَّى، ووفود تُستقبَل، وخطب تُلقَى، وقرآنٌ يتنزل، ومشكلات تُحل، وأموال تُجمَع وتُفرَّق، ومساكين يأوون إلى سقيفة في نهاية المسجد.

كلما حان وقت الصلاة وشعر الناس بذلك، تركوا أعمالهم ومضوا إلى المسجد ليصلي بهم النبي ﷺ الفريضة، ثم ينصرف الناس إلى مشاغلهم حتى يحين موعد الصلاة التي تليها، فيجتمع الناس مجددًا في المسجد. ولعدم وجود وسيلةٍ لتنبيه الناس إلى وقت الصلاة، كان من الطبيعي حدوث بعض التأخر والاضطراب.

وبشكل طبيعي، ثار النقاش بين المسلمين بحضرة النبي ﷺ حول الطريقة الأمثل لجمع الناس على الصلاة، واقترح بعضهم استيراد فكرة الناقوس وهو الجرس الذي يُستخدم في الكنائس، واقترح آخرون استيراد فكرة البوق من اليهود للمناداة إلى كل صلاة حين يحين وقتها، واقترح آخر أن تُرفع راية على المسجد حين يحين وقت الصلاة، ولم تلق كل هذه المقترحات قبولًا من لدن النبي ﷺ، ثم اقترح عمر الفاروق رضي الله عنه أن يُنتدب رجلٌ ينادي الناس إلى الصلاة، وسُرَّ النبي ﷺ لهذا الاقتراح فقال: “يا بلال، قم فناد بالصلاة”. ويؤكد لنا الإمام النووي أن هذا النداء الذي اضطلع به بلال كان مختلفًا عن الأذان الذي لم يكن قد شُرع بعد.

لكن فكرة اتخاذ الجرس لم تغب تمامًا، فقد أمر النبي ﷺ -وإن على كره منه- باتخاذ ناقوس ليُنادَى به إلى الصلاة. وحدث في ليلةٍ بعدها أن عبدالله بن زيد بن عبدربه، أحد الصحابة الكرام رضي الله عنه، كان نائمًا بعد نهار قضاه مهتمًّا بأمر الوصول إلى طريقة لجمع الناس على الصلاة، فرأى في نومه رجلًا يحمل ناقوسًا في يده، فدار بينهما الحوار القصير الآتي الذي تشكل بعده واحد من الملامح المميزة للمجتمع المسلم في طول التاريخ وعرض الجغرافيا:

عبدالله بن زيد: أتبيع الناقوس؟

حامل الجرس: وما تصنع به؟

– ندعو به إلى الصلاة.

– أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ 

– بلى

– الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله… إلى آخر الأذان الذي نعرفه.

وبعد قليل من الصمت يقول حامل الجرس لعبدالله رضي الله عنه صيغة إقامة الصلاة، وينتهي الحلم هنا.

صباحًا، يذهب عبدالله بن زيد رضي الله عنه إلى النبي ﷺ ليخبره بما رآه في منامه، فيقول النبي ﷺ: “إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذّن به؛ فإنه أندى صوتًا منك”. أي: أجمل صوتًا منك وأبعد مدى.

وهنا نلاحظ البعد الجماليّ المُراعَى في الأذان إلى جانب البعد الوظيفي، فقد اختار النبي ﷺ بلالًا لأن في صوته ميزتين: القوة التي تحقق وظيفة إبلاغ الناس بوقت الصلاة، وجمال النبرة الذي يثمر جذبًا وزينة. وقد تكررت مراعاة البعد الجمالي للأذان بعد ثمان سنوات، حين أجرى النبي ﷺ “تجربة أداء” لعشرين رجلًا مرشحًا لمنصب مؤذن المسجد الحرام، وأعجبه صوت أبي محذورة رضي الله عنه فعيّنه مؤذنًا بالحرم المكي الشريف.

المسجد النبوي – فليكر

وصار بلال بن رباح رضي الله عنه مؤذن النبي ﷺ، يصعد فوق بناءِ أعلى منزل مجاور للمسجد، فيرفع الأذان كلما حان وقت الصلاة. وصار الأذانُ منذ تلك اللحظة حتى يوم الناس هذا شعار الإسلام، يُميز المجتمعات المسلمة عن غيرها ويسهم في ضبط إيقاع النشاط اليومي للفرد المسلم والمجتمع المسلم. يرتفع صوت الأذان فيسارع المؤمنون إلى بيوت الله متخلين عن أعمالهم وتجارتهم ريثما يؤدون الفريضة، وبهذا يحقق الأذان ثلاثة أهداف: يُعلِم الناس بدخول وقت الصلاة، ويدلهم على موضع المسجد، ويؤكد حضور الهوية الإسلامية القائمة على العبودية والتوحيد في المكان الذي يرتفع فيه الأذان. وكان للأذان في العهد النبوي وظائف جانبية أخرى إلى جانب المناداة للصلاة، فقد شرع النبي ﷺ الأذان الأول للفجر، الذي يُرفع قبل دخول وقت الفجر، ليكون عونًا لمن يقومون آخر الليل من أجل التهجد، ولينبه الناس إلى اقتراب موعد الإمساك عن الطعام في رمضان؛ فكان الناس يأكلون ويشربون حتى يؤذن الأذان الثاني فيمسكون.

الأذان: قصة شعار الإسلام

كان النبي ﷺ رحيمًا بالغ الرحمة بأمته يعز عليه أن ينالهم عنت أو يصيبهم حرج، فكان يأمر مؤذنه في الليالي المطيرة والباردة أن يوصي الناس بعدم الخروج إلى المسجد، فكان المؤذن يقول: “الصلاة في الرحال” أو “ألا صلوا في رحالكم”.

وإذا كانت صلاة الجماعة تُعطّل مؤقتًا بسبب نزول المطر، فإن من الأولى أن تتعطل بسبب الخوف من انتشار العدوى في مثل هذه الجائحة التي يعيشها العالم في أيامنا هذه. وقد أخذت هيئات الفتوى في مختلف أنحاء العالم الإسلامي تفتي بتعطيل صلاة الجمعة والجماعة في المساجد بصورة مؤقتة، ريثما تنجلي غمة هذا الوباء. ومن الطبيعي أن تثير هذه الإجراءات الاستثنائية كثيرًا من مشاعر الحزن والأسى لدى أولئك الذين يعدون المسجد جزءًا أصيلًا من يومهم، وموئلًا يجدون فيه الراحة والسكينة ويجددون الاتصال بالخالق عز وجل.

صفات المؤذن وصفة الأذان

استوحى الفقهاء من الأحاديث الواردة في الأذان سمات المؤذن، فأوجبوا أن يكون مسلمًا عاقلًا، وأن يكون مميزًا (بلغ سبع سنوات) أو بالغًا -على خلاف بين الفقهاء-، وأن يكون عالمًا بمواقيت الصلاة، وأن يكون عدلًا أي لم يسقط اعتباره قضائيًا ولا مجتمعيًا. واستحب الفقهاء أن يكون المؤذن حسن الصوت، وأن يكون حرًا لأن العبد قد ينشغل عن الأذان بخدمة سيده.

صورة مؤذن – فليكر

ولخّص الفقهاء صفة الأذان، فذكروا أن المؤذن ينبغي أن يؤذن قائمًا متطهرًا مستقبل القبلة جاعلًا إصبعيه في أذنيه، ويلتفت يمينًا وشمالًا برأسه عند الحيعلة (حي على الصلاة، حي على الفلاح) دون أن يزيل قدميه عن موضعهما، وعلى المؤذن أن يتمهّل في الأذان وأن يسرع في الإقامة، وإذا انقطع المؤذن عن الأذان قبل إكماله وجاء من ينوب عنه، فإن عليه أن يعيده من أوله.

الأذان: فاصلة بين الحرب والسلام

انتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى في السنة الحادية عشرة من الهجرة، وخلفه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في قيادة الدولة المسلمة، وقد واجه أبو بكر رضي الله عنه تحديًا ضخمًا وهو ردّة معظم قبائل العرب عن الإسلام بعدما بلغهم خبر وفاة النبي ﷺ. وهيّأ الخليفة الصدّيق الجيوش وأرسل الرسائل إلى القبائل في مختلف أطراف الجزيرة العربية؛ تدعوهم إلى العودة إلى الإسلام وتحذّرهم من عاقبة عدم الاستجابة، وتجعل الأذان علامة فارقةً بين الصديق والعدو. كان الجيش القادم من المدينة يقترب من منزل القبيلة ويقف على أهبة الاستعداد، ويؤذّن مؤذن من الجيش، فإذا أجابت القبيلة برفع الأذان أيضًا فهي “صديق”، وإن لم تردّ على الأذان بأذان آخر فهي “عدو”.

أذان في غير الوقت

في عهد الخليفة العباسي المعتضد (289 للهجرة) وقعت حادثة وثّقتها أقلام المؤرخين. فقد حدث أن واحدًا من أمراء الدولة العباسية غادر منزله ثملًا من الخمر، ووجد امرأةً حسناء ماضية في طريقها فأخذ يجرها حتى أدخلها قصره عنوة. وكانت المرأة تستغيث بالناس دون أن يجرؤ أحد على استنقاذها باستثناء إمام مسجد الحي الذي حاول إنقاذ تلك المرأة، فكان جزاؤه أن تلقى من الأمير ضربة بعصا في طرفها مسمار تقهقر الإمام بعدها والدم يسيل من رأسه.

مضى الإمام إلى منزله وغسل رأسه وعصبه بضمادة ثم صلى بالناس صلاة العشاء، ونهض بعد الصلاة يستحث غيرتهم ويحرك نوازع الشهامة فيهم، فتبعه المصلون من المسجد إلى قصر ذلك الأمير ليستنقذوا المرأة من الأمير. ووصل موكب الأهالي إلى منزل الأمير الذي سمح لهم بدخول القصر، ثم هاجمهم مع غلمانه بالهراوات الغليظة المسننة، ونال الإمام نصيب الأسد من تلك الضربات الموجعة، فخرج القوم وهم “مذلون مهانون” وقرر الجميع أنه ليس في أيديهم شيء يمكن أن يفعلوه لتلك المرأة المسكينة. لكن الإمام لم يستطع النوم، وأخذ يفكر في طريقة لإنقاذ تلك المرأة التي يجب أن تبيت في بيت زوجها لا في قصر الأمير. وصعد الإمام فوق المئذنة، وقرر أن يؤذن أثناء الليل حتى يحسب الأمير أن الصبح قد طلع فيخرج المرأة إلى بيتها. وفي عتمة الليل وسكونه ارتفع صوت الأذان.

لكن الذي رآه الإمام كان شيئًا غير متوقع؛ فقد وجد فرقة أمنية من حرس الخليفة تبحث عن هذا الذي أذّن في منتصف الليل لتعتقله وتمضي به إلى القصر، ووجد نفسه واقفًا أمام أمير المؤمنين المعتضد بالله المعروف بجبروته وسطوته. سمع الخليفة القصة فأرسل فرقة من حرسه لتحضر الأمير الجاني وفرقة أخرى لترافق المرأة إلى منزلها، وقال للإمام: “كلما رأيت منكرًا صغيرًا أو كبيرًا، ولو على هذا -وأشار إلى صاحب الشرطة- فأعلمني، فإن اتفق اجتماعك بي، وإلا فعلى ما بيني وبينك الأذان، فأذن في أي وقت” واشتهرت القصة، وصار التهديد بالأذان ورقة رابحة في يد ذلك الإمام أمام كبار موظفي الدولة.

جامع الفاتح – فليكر

يذكرنا هذا الأذان في غير وقته بما جرى في منتصف شهر يوليو 2016: كان معظم سكان منطقة الفاتح في إسطنبول قد خلدوا إلى النوم أو استعدوا له حين طرق أسماعهم صوتٌ في غير وقته؛ ارتفعت أصوات المآذن في مختلف أنحاء المدينة، وكان المؤذنون ينهون الأذان ليكرروه مرة وثانية وثالثة. وخرج الناس إلى الطرقات فزعين، قال لي أحدهم: “ظننتها القيامة قد قامت”، وكان للأذان الذي رُفِع في غير وقته دور كبير في حشد الناس لمواجهة الانقلاب الذي فشل قبل أن يستكمل سيطرته.

الأذان والمئذنة: هوية صوتية وبصرية

إذا كنت في مدينة مسلمة، فإنك -ولا بد- سامعٌ صوت الأذان أو ناظر إلى مئذنة، فالأذان هوية صوتية للمدن والمئذنة هوية بصرية.

المئذنة، ذلك البرج الرشيق، جزء أصيلٌ من بنية المسجد كما نعرفه اليوم، لكن المئذنة -كبناء يقف عليه المؤذن لرفع الأذان- لم تكن معروفة في العهد النبوي، فقد كان المؤذن يصعد فوق منزل مجاور للمسجد ومرتفع عن مستوى البيوت في ذلك المحيط، ويرفع صوته بالأذان حتى يبلغ صوتُه أقصى مدى ممكن. وفي يوم فتح مكة أمر النبي ﷺ بلالًا بن رباح بالصعود على سطح الكعبة، ورُفع الأذان من هناك لأول مرة في تاريخ المسجد الحرام.

وبمرور الزمان، صار من المعتاد أن تتعدد طوابق البيوت فيصعب وصول صوت المؤذن إلى الناس ما لم يكن في بناء مرتفع، وهكذا نشأت الحاجة إلى المئذنة التي يرقى المؤذن فوقها فيرفع صوته بالنداء، فيبلغ صوته أبعد مدى تتيحه الإمكانات البشرية في زمن لم يعرف البشر فيه مكبرات الصوت. وغدا للمئذنة وظيفة أخرى هي تعريف الغرباء بموضع المسجد، وتفنن المعماريون في تزيين المنارات فصارت لها وظيفة جمالية.

وليس عند المؤرخين تحديد قاطع ومتفق عليه لتاريخ ظهور المآذن في الإسلام، فهناك من يقول إن أول مئذنة في تاريخ الإسلام هي مئذنة مسجد عمر بن الخطاب في دومة الجندل، إحدى قرى منطقة الجوف في شمال غرب المملكة العربية السعودية، وإن شكك البعض في نسبة المئذنة إلى بناء عمر بن الخطاب. ويقول بعض المؤرخين إن أول مئذنة ظهرت في تاريخ الإسلام بنيت في عهد والي البصرة زياد بن أبيه عام 45 للهجرة، فيما يقول البعض إن ظهور فكرة المئذنة كان في القاهرة أيام والي مصر مسلمة بن مخلد سنة 53 للهجرة.

وفي عهد الوليد بن عبدالملك سنة 91 للهجرة، بنيت لأول مرة أربع مآذن في الأركان الأربعة للمسجد النبوي الشريف، بإشراف مباشر من عمر بن عبدالعزيز والي المدينة حينها. وبمرور الزمن صار من العرف الشائع في طول العالم الإسلامي وعرضه أن تكون ثمة مئذنة حيثما وجد الأذان، وصار هذا هو السمت الشائع للمساجد في كل مكان. وردًّا على رفع النصارى للصليب على أبراج كنائسهم، رأى المعماريون الأتراك أن يرفعوا الهلال على مآذن المسلمين، باعتبار الهلال رمزًا دينيًّا إسلاميًا تُعرف به مواقيت دخول الشهور الهجرية.

وكم هي الوحشة التي يشعر بها المسلم حين يزور بلدانًا لا يُسمع فيها الأذان، ولا تُرى فيها المآذن.

الحرب على المآذن

شهدت بدايات القرن العشرين ذروة انتشار الشيوعية، كما شهدت نهاياته ذروة انكماشها بعد سبعين عامًا من العلو في الأرض، وفي روسيا -كما في غيرها من البلدان التي سرى إليها سرطان الشيوعية- شُنت الحرب على الهويات الدينية فأغلقت دور العبادة بشكل كامل تقريبًا، وكانت المساجد في طليعة دور العبادة المستهدفة؛ هُدم الكثير منها، وحُول الباقي إلى ثكنات ومستودعات وزرائب ومعالف ومعامل ومقرات حكومية، وأُبقِي على بعضها مهجورًا تزمر فيه الرياح وتهيم الهوام. وكان من المألوف أن تبقي السلطات الشيوعية على مبنى المسجد للاستفادة منه في أغراض أخرى، وأن تهدم مئذنته لتمحو ما أمكن من هوية المساجد.

مآذن – فليكر

وحتى يومنا هذا، لا تزال الحرب على المئذنة تشتعل في الصين، إذ تحاول السلطات الصينية ذات المرجعية الشيوعية إلغاء التمايز الذي تعيشه أقلية الإيگور المسلمة في إقليم تركستان الشرقية عبر إجراءات قاسية، شملت هدم مساجد وغلق أخرى وتحويل البعض الآخر إلى متاحف يُمنَع أداء الصلاة فيها، مع الإبقاء على بعضها بعد إزالة قبابها ومآذنها. ومع تصاعد المد اليميني العنصري في البلدان الغربية، لم يعد غريبًا أن نسمع عن عمليات اقتحام مسلح لبعض المساجد، أو عن هجمات إعلامية ومجتمعية وقانونية تستهدف منع ظهور المآذن في بعض البلدان الأوربية. كما شهدنا في عام 2009 استفتاءً في سويسرا نتج عنه حظر بناء المآذن للمساجد، وقد ذكر البرلماني السويسري أوسكار فرايسنگر أن المئذنة ليست بناءً بريئًا، لأنها استخدمت تاريخيًا للدلالة على انتشار الإسلام في الدول الأجنبية.

ألفاظ مضافة

في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، يتكون الأذان من نفس المفردات مع تنوع واختلاف في عدد مفردات الأذان، اعتمادًا على وجود الترجيع من عدمه، والترجيع هو أن ينطق المؤذن الشهادتين بصوت خافت ثم يرفع بهما صوته فيما بعد. ويتميز أذان صلاة الفجر بإضافة جملة “الصلاة خير من النوم” مرتين، بعد قول المؤذن “حي على الفلاح”. ويستحب الشيعة إضافة جملة “أشهد أن عليًا ولي الله” مرتين بعد قول المؤذن “أشهد أن محمدًا رسول الله”. وربما يرجع هذا التقليد إلى إظهار تمايز الشيعة عن السنة في الأذان، بحيث تصبح صيغة الأذان علامة فارقة يميز بها السامع ما إن كان المسجد تابعًا لأهل السنة أم الشيعة.

وعلى سبيل الاستطراد، فإن من العلامات الفارقة التي اتخذها المعماريون لتمييز مساجد أهل السنة عن مساجد الشيعة نقش أسماء الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي في أركان المسجد، أو تحت قبته أو في لوحات مستديرة غالبًا على جدرانه.

وفي مصر، منذ عهد مبكر جدًا، بدأت ظاهرة التسابيح والصلوات التي يرددها المؤذنون في الشطر الأخير من الليل، وذلك في عهد والي مصر الصحابي مسلمة بن مخلد الذي بنى في جامع الفسطاط مئذنة تعد من أوائل المآذن المبنية في تاريخ الإسلام، واعتكف في تلك المئذنة وشعر بالانزعاج من أصوات الأجراس الكنسية في جوف الليل، فشكا ذلك إلى عريف مؤذني الجامع الذي اقترح أن يمد الأذان من منتصف الليل إلى قرب الفجر، لأن الكنائس كانت توقف رن أجراسها حين يرتفع الأذان احترامًا له. واستمرت تلك العادة حتى جاء عهد والي مصر أحمد بن طولون الذي طوّر تلك الممارسة، وعيّن مؤذنين يكبرون ويسبحون ويتلون قصائد زهدية في جوف الليل من على رؤوس المآذن.

مهام أخرى للمؤذن

بمرور الوقت وتطور احتياجات المجتمعات، لم يعد دور المؤذن مقتصرًا على رفع الأذان، فقد تنوعت المهمات التي ينهض بها المؤذنون بتنوع البلدان والظروف.

وهذه قائمة من المهمات التي آلت إلى المؤذن في بعض الحالات:

  • يعهد إلى المؤذن في حالات كثيرة بمهمة فتح أبواب المسجد وغلقها، وإدارة ما يحتاجه المسجد من خدمات.
  • في تركيا -التي أقيم بها- ينقل ذوو الميت خبر الوفاة إلى مؤذن المسجد الذي يقوم إلى الجامع، وعبر مكبر الصوت يصلي المؤذن بلحن شجي على النبي ﷺ ثم يذكر اسم المتوفى وزمن التشييع. ويحدث نحو من هذا في بلاد الشام مع اختلاف في طريقة الأداء.
  • من المعتاد في تركيا أيضًا اضطلاع المؤذن بمهمة التذكير بالصلاة على النبي ﷺ ليلة الجمعة وصباحها، إذ ترتفع أصوات المؤذنين بالصلاة على النبي ﷺ بلحن شجي بين صلاتي المغرب والعشاء، ويتكرر الأمر ضحى الجمعة.
  • في الحرمين الشريفين وفي عدد من بلدان العالم الإسلامي، يقوم المؤذن بالتبليغ عن الإمام وهو أن يكبر المؤذن وراء الإمام بصوت مرتفع، ويهدف هذا التبليغ إلى توكيد وصول التكبير إلى جميع المصلين الذين يزدحم بهم المكان وقد يحدث ألا يبلغهم صوت الإمام لأي سبب. 
  • في بعض البلدان غير الناطقة بالعربية، يذكر المؤذن بعد انقضاء الصلاة المصلين بالأذكار الواردة بعد الصلاة، وفي بعض البلدان تؤدَّى الأذكار بصورة جماعية، وفي البعض الآخر ينطق المؤذن بالذكر المأثور ويتيح المجال للمصلين كي يردد كل واحد منهم الذكر بنفسه.

ليس آخِرًا

منذ شُرع الأذان وحتى يوم الناس هذا، لا يزال الأذان شعار الإسلام ولا يزال ساعة المسلم وبوصلته، يضبط إيقاع الزمان ويصنع هوية المدينة المسلمة سمعيًا، كما تصنع المآذن هوية المدينة المسلمة بصريًا. وكم هو عجيبٌ أن يكون لهذه الكلماتِ كل هذا الأثر الضخم في الناس، وألا تخلو ساعةٌ في الأرض من أذان يُرفع في بقعة ما من بقاع الأرض؛ أذانٌ يذكرنا بحقيقةٍ لا تبديل لها: مهما يكن من شأن في الأرض، فإن الله أكبر وهو أعلى وأجل.

صورة الغلاف من فليكر.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×