اطّلع على كل ما ننشره عن جائحة كورونا وأثرها على الوطن العربي
مكة

مكة: المدينة المظلومة

لعبد الله بن عمر
21 فبراير، 2020

ذات ليلة قبل بضع سنوات، اتصل بي بعض أصدقائي القادمين لأداء العمرة، كانوا ثلاثة أصدقاء قادمين من عدة دول عربية، وكان الثلاثة من أبناء الأسر الميسورة التي اعتادت زيارة مكة المكرمة كلما أطل شهر رمضان المبارك.

في واحد من الفنادق الفاخرة المطلة على المسجد الحرام كان اللقاء، وشربنا الشاي في أحد مقاهي الفندق. وبينما نحن نتحدث إذ سألت الأصدقاء عما رأوه من مكة المكرمة، فأجابوا بأنهم لم يروا من مكة إلا المسجد الحرام، ومطعم “البيك” في العزيزية، والفنادق التي حلوا بها في رحلاتهم المختلفة، والطريق الذي سلكوه من مطار جدة حتى بلغوا المنطقة المركزية من مكة.

فقلت لهم: هل لكم إلى مغامرة محسوبة نخوض فيها أماكن من مكة لم تروها من قبل؟ قالوا: لم لا؟

وخرجنا من ذلك الفندق، ومشيت بالقوم حتى بلغنا أحد مواقف الحافلات التي اندثرت الآن، وركبنا حافلةً متوسطة الحجم تتسع لأربعة عشر راكبًا يقودها مواطنٌ بدوي السحنة والهيئة، حضري اللهجة والتعابير، مجسدًا للون بهي من الاندماج المجتمعي. كانت الحافلة ملأى عن آخرها، ومشينا حتى بلغنا مكانًا ما فنزلنا ونقدنا الرجل أجرته الزهيدة.

ومضيت بأصدقائي من أبناء الطبقة المخملية في حارة من حارات مكة العتيقة، كانت حارة عشوائية وقد اندثرت الآن، مررنا فيها بألوف من الناس، حياة كاملة تدور في الشوارع: باعة يبيعون كل شيء في عربات لم ترَها عينا رقابة البلدية ولا في المنام، وألعاب صغيرة مضيئة من ذلك النوع الذي أتذكره في طفولتي المبكرة، وخضر وفاكهة ولحوم، وزحام كظيظ. مشينا نحوًا من كيلومتر واحد وعيون الرفاق تكاد تخرج من محاجرها، كانوا يتلفتون ويعلقون باستغراب على بعض ما يشاهدون. وقبل أن نخرج إلى أحد الشوارع العامة ونأخذ سيارة أجرة، أو هي بالأصح سيارة خصوصية قرر صاحبها أن يجعلها سيارة أجرة، مضينا إلى مطعم يقدم الأكلات المغربية الأصيلة: الكسكسي والطاجين، وتعشينا وسط دهشة الرفاق الثلاثة، وغادرنا بسيارة أجرة أخرى إلى “ديوانية” للقهوة العربية، احتسينا القهوة العربية وشربنا الشاي قبل أن أعيد القوم إلى فندقهم.

وظننتها النهاية، لكن الذي جرى من بعد كان أمرًا مختلفًا، فقد صنعت تلك الأمسية بالرفاق شيئًا مذهلًا قاله لي أحدهم بعدها بأكثر من عام.

قال لي: ما كان يخطر في ذهني وأنا قادم إلى مكة أني سأجد فيها كل ما وجدت!

قلت له: وما الذي وجدت يا هذا؟

قال: الكثير! ثم استطرد: مكة بوتقة حضارية حقيقية، لا أتحدث عن المسجد الحرام الذي تختلط فيه الأعراق والألوان واللغات، فهذا أمرٌ اعتدته على أنه لا يزال مدهشًا وحقيقًا بأن يتأمل المرء معه عالمية هذا الدين. إنما هو كل شيء في هذه البلدة يا أخي. هنا مزيجٌ عجيب من الناس؛ في مكة، أو في القليل الذي رأيناه من مكة تلك الليلة، مجتمعاتٌ متعددة تعيش في انسجام أو على الأقل دونما اصطدام. رأينا في جولتنا القصيرة تلك جاليات سوداء وبيضاء وصفراء، وتعشينا عشاء مغربيًا، و”تقهوينا” قهوة عربيةً في بؤرة بدويةٍ روادها من الحاضرة. فأنى يكون هذا في مكان عدا مكة؟!

قلت له: لا تبالغ، فثمة على هذه الأرض مدن عالمية فيها مزيج من الأعراق واللغات والمآكل، لكني أوافقك أن مكة حالة فريدة.

اليوم، وبعد بضع سنوات من تلك الليلة، وبعد ثلاثين شهرًا مرت منذ غادرت مكة المكرمة، أعود لأتأمل في مكة، مدينتي التي ولدت فيها، وعشت بين جبالها وبطحائها أكثر عمري، وتقلبت لسنوات بين حلقات العلم في مسجدها الأكبر قرب الكعبة المشرفة، لأجد أنها مدينة مظلومة حقًا وعلى أكثر من صعيد.

من أين أبدأ؟ من الإعلام الذي هو مهنتي.

الصورة عبر مايك من بكسلز

إعلاميًا 

يؤسفني أن أفتش عن الأفلام الوثائقية التي توثق مكة المكرمة، فأجدها قليلة جدًا، أقل بكثير من الوثائقيات التي تصور إسطنبول وباريس ونيويورك وطوكيو، وعدّ ما شئت من حواضر الشرق والغرب.

وهذا مدهش جدًا.

مدهش أولًا لأنها مكة التي أزيل تسعة أعشار ما فيها من المباني الأثرية، ولم تزل بعد مكتنزة بما يمكن أن يوثق: تاريخها القديم قدم البشرية وجغرافيتها ومعالمها المقدسة، ورحلات الحجيج إليها ومجتمعها الثري بالمفارقات والتنوع، والفريد في علائق أفراده ومشكلاته وأعرافه ومطبخه، وعلاقته ببيت الله وضيوفه.

ومدهش ثانيًا لأن في مكة جهات كثيرة يمكنها أن تنهض بسد هذه الثغرة الإعلامية المعيبة، هناك القنوات السعودية ومؤسسات الإنتاج الإعلامي السعودية والعربية والإسلامية، وهناك الإمارة والجامعة ومعهد أبحاث الحج والعمرة ومركز تاريخ مكة، وكثير من الجهات الحكومية والخاصة والمجتمعية.

ومدهش ثالثًا لأن مكة لا ينقصها الخبراء من الإعلاميين والأكاديميين والمختصين بتاريخها وجغرافيتها وأحكامها والعارفين بتفاصيلها، فمن يعلق الجرس ويرفع عن مكة هذا الظلم بمعدات من رؤية وصبر وكاميرا وقلم؟

وأية فرصة أعظم أمام أي منتج إعلامي يجد أمامه مدينة يقدسها ربع سكان العالم، مدينة عتيقة لا يزال الحديث عنها بكرًا؟

روحيًا 

في الرؤية الإسلامية وُجدت مكة المكرمة لغاية روحية، فجعل بيتها مثابة للناس وأمنًا، وجعلت قبلة تهوي إليها قلوب المؤمنين وتتجه نحوها وجوههم كل يوم خمس مرات على الأقل، ويحج إليها كل مسلم قادر مرة على الأقل في عمره، ومكة هي مولد المصطفى ﷺ ومبعثه وموطنه الذي عاش فيه عمره كله إلا السنوات العشر التي عاشها ﷺ في المدينة المنورة.

والكعبة المشرفة هي أول وأبرز وأهم وأعظم ما في مكة، وفيها وحولها آيات بينات وشعائر ربانية: الحجر الأسود وبئر زمزم ومقام إبراهيم والصفا والمروة، ثم إذا أبعدنا قليلًا وجدنا أنفسنا في منى ثم مزدلفة ثم عرفات. وننظر ونحن متجهون إلى منى فنرى غار حراء الذي ابتدأ نزول القرآن الكريم فيه، ونرى غير ذلك مما يضيق المقام عن إحصائه.

والسؤال الذي أعرف إجابته سلفًا مع الأسف: هل واقع مكة المكرمة المادي موافقٌ لواقعها الروحي في وجدان المسلمين؟

هل تمثل الكعبة المشرفة محورًا مركزيًا للتخطيط الحضري في مكة حقًا؟ هل روعيت خصوصية مكة المكرمة من خلال تشريعات وقوانين صارمة تؤدي إلى إبقاء المركز مركزًا والهامش هامشًا في مكة؟ سؤال آخر: هل يليق بالكعبة المشرفة أن تحاصَر بناطحات السحاب؟ لا أتناول البعد الشرعي، بل البعد الروحي وحسب الذي يناقش ويسأل: هل عُرضت أفكار التجديد الحضري والتطوير العمراني على معيار “مركزية الكعبة المشرفة” في وجدان المسلمين مع الحرص المخلص على إزاحة كل ما يزاحم مركزيتها في عيون كل معتمر وحاج؟

ما أسهل أن يُحمل هذا الكلام على غير وجهه، لكن لا بأس، لنعد صياغة السؤال بطريقة أخرى.

لا ريب أن هناك من خطط وقدر وفكر من أجل تلبية احتياجات محيط المسجد الحرام ورفع طاقته الاستيعابية، والسؤال: هل روعيت “الخصوصية الدينية/الروحية/الشعائرية” للمكان إضافة إلى الظروف البيئية بقدر ما روعيت الاعتبارات الأخرى؟ أقول بملء فمي: لا.

هل تستقبل مكة زائرها بحفاوة؟ 

أمر الله الخليل إبراهيم عليه السلام بأن يطهر بيته للطائفين والعاكفين والركع السجود، وأخبر النبي ﷺ أن الحجاج والمعتمرين وفدُ الله، دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم.

ومن الجميل والجليل ما لا تخطئه عين الزائر للمسجد الحرام من عناية جيدة بتطهير البيت الحرام وتطييبه وصيانته، واهتمام بنظافة جدرانه وأرضياته وأسقفه وإضاءاته ومواضئه وسجاده، ذلك كله يُذكر ويُشكر، ولكن يضاف إليه سؤال:

هل يشعر الحاج والمعتمر، حين يدخل مكة، أن المدينة تبالي وتحتفي به وترشده إلى مواطن ذهابه ومجيئه وتسهل عليه حركته في البلدة المباركة بشكل يحتذى ويشاد به؟

من غير المفهوم مثلًا اختلاط حركة المشاة بحركة السيارات في محيط المسجد الحرام، ومن غير المفهوم حقًا أن مكة ليس فيها حتى يوم الناس هذا منظومة متكاملة للنقل العام يستغني المرء بها تمامًا عن اقتناء سيارة أو الاضطرار إلى سيارات الأجرة.

ينبغي أن تضم مكة المكرمة شبكة نقل يقررها الخبراء، فيها عشرات من محطات المترو، وأضعافها من مسارات الحافلات، ومضامير معدة للمشاة. وينبغي أن يستطيع المرء السير من مختلف المناطق السكنية إلى المسجد الحرام في مضامير مظللة خاصة للمشاة تقيهم لفح الشمس الحارقة وسموم الصيف اللاهب.

الجغرافيا المظلومة 

إذا خرجت من باب الملك عبدالعزيز، فستجد أمامك واحدًا من أطول المباني في العالم تتربع على هامته أضخم ساعة في العالم. أنا أتذكر ما كان في موضع هذا الجبل الإسمنتي، كان هناك جبل حقيقي تعلوه قلعة أثرية، أزيلت القلعة ونُسف الجبل نسفًا إلى تحت الأرض بعدة طوابق. وقل مثل هذا عن مشروع جبل عمر الذي أزيلت منه أطنان لا يحصيها العد حتى سويت أجزاء من الجبل بالأرض، وقل غير هذا في غير ما موطن من مكة المكرمة. لقد تعرضت معالمها الجغرافية الطبيعية لعمليات استئصال غير مبررة، ونحمد الله أن “المخطط الشامل لمكة المكرمة” (الذي صدر مؤخرًا ومتأخرًا) وضع ضوابط تقلل من القطع الجائر للجبال، وهو أمرٌ ندعو الله أن يطبق بصرامة.

غار حراء

عاد أحد أصدقائي من رحلة عمرة قبل أسابيع، وأخبرني أنه ذهب ليزور غار حراء، وحدثني أنه تعب كثيرًا وهو يصعد إلى الغار، فالمراقي التي وضعت لتسهل على الصاعدين مهمة الصعود مبنية على أيدي متطوعين، والطريق شاق وأكوام النفايات في المكان ملحوظة جدًا، وهناك في الأعلى تعرض صديقي لعملية سطو طريفة كان بطلها قردٌ متمرس في اختطاف حقائب الصاعدين إلى الجبل.

الصورة من فليكر

ما الذي يمنع من العناية بتمهيد الطريق إلى غار حراء والعناية بنظافة المكان ومحيطه بدل تجاهله على هذا النحو؟ لا أدري والله!

يزور الآلاف من الناس هذا الغار كل يوم، وهو واقع تقريبًا خارج حسابات البلدية وبعيدًا عن إدارتها وعنايتها بنظافته وتأمينه وتنظيم الحركة في الطريق منه وإليه، فهل سيتغير هذا الواقع؟

فرص توعية وتنوير مظلومة 

من الممكن والميسور أن يحاط المسجد الحرام بسلسلة من المتاحف المتخصصة التي توعي الزوار بأركان دينهم وشعائره، وهو الدين الذي ابتدأ أمره من هذه المدينة التي يزورونها. فيرى الزائر متحفًا لتاريخ مكة المكرمة منذ وضع البيت للناس، ومتحفًا يضم فصول السيرة النبوية في مكة، وطائفة من المعارض والمتاحف التي تقرّب للناس كل ما يتصل بمكة من أحكام ومعالم وأعلام وجغرافيا. ومعارض ومتاحف تقرب للناس قيم الإسلام ومآثره وفضائله وآدابه، ويكون كل ذلك بلغات مختلفة وألسن متباينة، والتقنية توفر هذا وما هو أكثر منه.

وأكثر من هذا، كان من الممكن أن يقام على تخوم مكة المكرمة من ناحية جدة مركزٌ حضاري للتعريف بالإسلام، يزوره غير المسلمين فيتعرفون من خلاله على مكة المكرمة، ويطالعون وصف الكعبة وما يجري للناس حين يشاهدونها لأول مرة، ويكون المكان مزودًا لاستقبال من يريد التعرف على الإسلام، وبوابة دخول لمن شاء منهم ذلك.

التراث المظلوم 

خلال السنوات الأخيرة أزيل الكثير من المباني التاريخية في قلب مكة لصالح مشاريع التوسعة المتعاقبة، وبعيدًا عن الجدل الطويل الذي دار حول خيارات التوسعة، فقد كان بالإمكان استنقاذ قدر كبير من العناصر المعمارية الثمينة من التدمير والإفادة منها في واجهات مبان أخرى، أو ضمها إلى متاحف متخصصة للعمران التقليدي المكي كالرواشين والمشربيات المنقوشة بدقة بالغة وفن راق، والأبواب التي كان بناة الدور يتكلفون في بنائها ويتأنقون. لقد ذهبت تلك العناصر تحت المجنزرات دون أن تنال حظها من التقدير الفني.

وأحسب أنه كان من الممكن جدًا الاسترشاد بفن العمارة التقليدي -الذي اندثر الآن وهذا ظلم- ليكون “شكل” مكة العمراني أقل إثارة للملل، وليفيد من ذلك التراث العريق في ترشيد استهلاك الكهرباء وتطرية الغابات الإسمنتية المعاصرة بشيء من الخشب.

أخيرًا، يحق لي أن أحلم بألا يتغلب المادي على الروحي في مكة، وبأن تكون مكة المكرمة أنظف مدينة في العالم، وأقل مدينة في العالم تلوثًا، وأكفأ مدينة في العالم استعمالًا للطاقة، وأكثر مدينة في العالم تتمثل فيها قيم الضيافة والكرم، وتنتشر فيها التكايا والمبرات التي تقدم لقاصدي البيت الحرام الماء البارد والشاي الساخن والحساء الشهي والضيافة المشبعة، وأن تنتشر فيها بيوت الشباب التي تستضيف شباب المسلمين القادمين للعمرة وتجول بهم بين معالم مكة.

يحق لي أن أحلم بأن تكون مكة المكرمة درة مدائن المسلمين، لا من حيث وجود الكعبة والآيات البينات وحسب، بل من حيثُ التجربة الروحية التي يعيشها من يزور مكة إذ يرى فيها ما يبهج روحه ويسعد خاطره، ويعود منها بزاد روحي ومعرفة بدينه وهدايا تذكارية جميلة مبتكرة صنعت في مكة.

أقول حلمي هذا وأستغفر الله لي ولكم.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×