1984
موسم الهجرة إلى الشمال
أروى الداوود
X
ماذا لو كان هناك راتب ثابت طوال الحياة؟
دعاء الريحان

“قصتي قصة قديمة وأصبحت الآن مألوفة، لقد تشرّد كثيرٌ من الناس في هذا القرن، أعدادهم مهولة ومصائرهم الفردية والجماعية متنوعة، سيكون مستحيلًا أن أدّعي تميز وضعي كضحية، ماحدث لي منذ خمسين سنة يحدث لآخرين اليوم، رواندا، وأفغانستان، وكوسوفو، والأكراد المهانون، قبل خمسين سنة كانت الفاشية والشيوعية، الآن هناك القومية والأصولية الدينية، لقد دفع السيد البريء والسيدة البريئة وأسرتاهما ثمنًا باهظًا في هذا القرن لمجرد وجودهم هناك، ربما انتموا إلى الطبقة الخاطئة، جماعة عرقية خاطئة، دين خاطئ، إلى آخره.

من الصعب على الذين لم يمرّوا بالتجربة أن يفهموا حقًا ماذا يعني ألا تكون لديك الوثائق اللازمة، أن كونك لا أحد أكثر إثارة من أن تكون شخصًا ما، الشوارع كانت مليئة بأولئك الأشخاص المهمين وهم يصنعون أجواء الثقة حولهم، نصف الوقت كنت أحسدهم، نصف الوقت كنت أنظر إليهم في شفقة.
لقد كنت أعرف شيئًا لم يعرفوه، شيئًا من الصعب معرفته إذا لم يركلك التاريخ بقوة على مؤخرتك: كيف يبدو الأفراد غير ضروريين وعديمي الأهمية ضمن أي صورة كبيرة! كيف أن هؤلاء القساة لا يفهمون احتمال أن يكون ذلك مصيرهم أيضًا” -تشارلز سميث.

ربما يكون هذا العقد الأكثر تعيدًا في ملف اللاجئين دوليًا، والمهاجرين غير الشرعيين، وحتى الهجرة الشرعية، ومع أن هذه القضية بالذات لا تعد مميزة كما يقول تشارلز سميث، تمامًا كالحروب التي تنتج هذا النوع من المآسي، وهي كذلك معتادة جدًا وغير جديدة بالمرة، وصحيح أن عالمنا العربي شهد ما شهد من لجوء وحروب من فلسطين، والعراق إلا أن ورقة سورية كانت قاصمة ظهر الخلافات والاتهامات وتفرّق بهذه المناسبة كثير من الأبرياء في كل صقع من أصقاع الأرض كلٌ على قدر قدره يضعه الله، وهذا المصير، اللجوء أو الهجرة، ليس ورقة رابحة في أغلب الأحيان ولكنه يقع في منطقة القرارات التي لا مفر منها، حرب حارة وحرب باردة وحرب على درجة من الغليان وأخرى من التجمد، في هذه الحالة لا يهم أي درجة تم ضبطها لحرب موقعك الجغرافي ولا المعاناة التي تلحقك جراء ذلك.

تبدو كل الدول ترغب بلفظ الزائرين الجدد جملة وتفصيلًا

بلغ عدد المهاجرين في عام 2015 م 214 مليون مهاجر شرعي وما يفوق 60 مليون لاجئ حول العالم، وعلى الرغم من التدفق الهائل والعكسي في بعض الأحيان فإن دول اليوم تشهد صراعات داخلية لقوانين هجرة أكثر صرامة، ونقاشات برلمانية حول قوانين اللجوء، وحماية الثقافة، ورفع الرسوم الصحية على المقيمين، وقد لا يكون ذلك مستهجنًا للدول التي عرفت نفسها عرقيًا ولكن لا يكون على درجة من المنطق في دول المهجر مثل أميركا التي قامت مؤخرًا بالحد من الهجرة عبر عدة قرارات رئاسية وتبدو كل الدول ترغب بلفظ الزائرين الجدد جملة وتفصيلًا، أما المهاجرون ذاتهم فهم محاصرون، ومحاضرون عن أسباب هجرتهم، ومدى ولائهم وحقيقة بيع أرضهم وهم “مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن .. مسافرون دون أوراق ..وموتى دونما كفن” والأهم من ذلك أنهم بلا نهاية ولا وعد، ويبدو أن موسمًا جديدًا قد حل، إنّه موسم الهجرة إلى الشمال.

يحل مع هذا الموسم سؤال أخلاقيٌّ جديد يُطرح على بقية العالم دون المهاجرين حول الاختيار بين فتح الحدود أو الإبقاء على المحميات السياسية كحق حصري للمواطن حامل الجنسية.

موسم الهجرة إلى الشمال

انعكاسًا للـ”لامساواة” والـ”لاعدالة” في التنمية، يُقسّمُ العالم إلى دول شمال، ودول جنوب عن طريق خط وهمي يدعى خط برانت، هذا الخط يفصل الدول المتقدمة التي غالبًا تقع في الشمال، عن النامية التي غالبًا ما تقع في الجنوب، وصحيح أن المصطلح لم يعد دقيقًا خصوصًا بعد ارتفاع مؤشرات التنمية في دول الجنوب التي تقدمت إلا أن الطيب الصالح اختار عنوان موسم الهجرة إلى الشمال إشارة للهجرة جسدًا ونفسًا وفكرًا.

أما دول الجنوب التي تصدر المهاجرين فإنها غالبًا ذات الدول التي تمت سرقة ثرواتها جورًا ولا زالت من قبل دول الشمال وبذلك تعيد المهاجرين إليها في انقلاب للعلة على المسبب، وللسّحر على الساحر، وإلى جانب الثروات الطبيعية فقد سرقت دول الشمال الحرية والسلام كذلك، ثم تقف مستغربة وتسأل بكل براءة، لماذا جئت من بلادك؟ مرتب أفضل؟ مسرح حر؟ صوت مسموع؟ غريب من سرقه؟ ومن ساعد على سرقته ومن يحرص على استمراره مسروقًا حتى الآن؟ المهاجر وحده مضطر للإجابة على كل هذه الأسئلة دون أن تكون له فرصة أن يسأل الشمال بالمقابل، فهل من الخطأ إعادة اختيار الوطن؟ يقول أمين معلوف: “لكل امرئ الحق في الرحيل، وعلى وطنه أن يقنعه بالبقاء، مهما ادعى رجال السياسة العظام عكس ذلك”

“لا مرارة على الإطلاق. فالرحيل عن الوطن هو سُنَّة الحياة، وأحيانًا، تفرضه الأحداث، وإلا فيجب أن نخترع له عُذرًا. لقد ولدت على كوكب، لا في بلد، أجل بالطبع، ولدت أيضًا في مدينة، في طائفة، في أسرة، في حضانة، في فراش، ولكن المهم عندي، وعند جميع البشر على السواء، أنني جئت إلى هذا العالم، إلى هذا العالم! فالولادة هي المجيء إلى العالم، لا إلى هذا البلد أو ذاك، لا إلى هذا البيت أو ذاك”

تبعًا لنظرة مؤيدي فتح الحدود والذين يدعون بالكوزموبوليتية (الكونية) النظرية التي تقول أن هناك معايير وقيم عامة تتجاوز حدود الدول القومية، وأن في صلب هذه المعايير والقيم توجد حقوق الإنسان فإن الأرض ملك للجميع، وإذا كنت لا أعلم من أين أتيت وإلى أين سأذهب فمن أنا لأحاكم الناس على مضايقتي في أي حيز؟ ويقابلهم المدافعون عن شرعية حدود الدولة أو ما يسمون بـ”القوميين” وفي صراع الفلسفتين استشراف للمستقبل الذي يسعى لأن يكون العالم أكثر ترابطًا وتوزيع الثروات فيه أكثر عدالة، وبين فلسفة تؤمن بالمادة الحالية والامتيازات التي يمتلكها المواطنون القوميّون المرتبطون بالدم إلى جنسيتهم ممّن يحصلون  على حق المواطنة على هذا الأساس، وبين الواقع الذي يخبرنا بأنّنا وصلنا إلى مرحلة لا يمكن فيها العودة إلى نقطة ما قبل المدن العالمية، تلك المرحلة الزاخرة بالأعراق والمباني الزجاجية، وإلا عدت ردة في العالم الحديث، وأن مواكبة هذا العالم تتطلب استيعابه، بما في ذلك استيعاب التنوع وفتح الآفاق لثقافة أصيلة يتم تعزيزها بالثقافات الواردة، وتكسب المدن انفتاحًا ومذاقات أكثر بكثرة ساكنيها.

مرحلة اللاعودة والاستيعاب

في عالم ما بعد العولمة، القائم بدرجة أولى على التنوع لا الاختلاف، وعلى الرغم من أننا نشدّد على أصالة الفرد والمجتمع، إلا أنّ واقع التنوع الهائل يتطلب منا استيعابه بأسرع ما يمكن، وتوظيفه ودمجه في مجتمعاتنا، وجعله جزءًا من هويتنا العالمية.

هناك بالفعل عدة تجارب عالمية ناجحة لتعزيز التنوع، مثل تجربة سنغافورة التي لا تتعدى مساحتها سبعمائة كيلومتر مربع في احتواء ثلاثة أعراق وأكثر من دين وثقافة واعتماد 4 لغات رسمية للبلاد، بينما دول تتخطاها مساحة وتقل عنها تنوعًا لم تستطع أن تجد للتنوع فيها مجالًا للنقاش، ولا للعيش في بعض الأحيان.

يغدو الفرق شفافًا في كثير من الأحيان بين المواطن والمهاجر لأن الاختلاف بينهم جواز سفر، أما الأرض والدم فإنها لا يمكن أن تكون نقية أو مختصة بأحد دون غيره، وكل المؤشرات العالمية تذهب إلى المزيد من التنوع، والمزيد من الشعوب التي تحمل بقلبها شعوبًا والمزيد من الحدود السياسية وتقليل الحدود الثقافية.

قد لا تكون الحدود المفتوحة هي الجواب الصحيح لهذه المعاناة، إذ أنه توجد أجوبة أخرى، طرق أفضل وأكثر فعالية لجعل عالمنا أكثر عدالة، إلا أنه من الظاهر أن الحدود الثقافية المفتوحة خيارنا الأخير بعد أن أصبح حلم الحدود المفتوحة ضربًا من اليوتوبيا ومشروعًا لا يؤذن بأي نجاح قريب.

تريد قراءة المزيد؟
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
تسجيل
عضوا فعلا؟ تسجيل الدخول