1984
العسكريون والمدنيون وصراع السلطة
فارس الجربوع
1984
القومية الوطنية، السعودية
مازن العتيبي

يرى كارل ماركس التاريخ باعتباره صراع اقتصادي بين طبقات متناحرة يستغل أحدها الاَخر، ولأن هذا الصراع يُعد في جوهره صراعًا سياسيًا نابعًا من نزعة الفرد والطبقات الاجتماعية نحو السيطرة والسلطة، فمن الممكن لنا اعتبار الصراع على السلطة السياسية بين المدنيين والعسكريين هي أحد أوجه هذه الصراعات الطبقية والتي تدور في هذا الفلك.

تُعرف العلاقات المدنية-العسكرية بكونها مجموعة من التفاعلات بين العناصر العسكرية والمدنية التي ترتبط بشكل مباشر بسلطة اتخاذ القرارات السياسية، إضافة إلى رسم حدود هذه التفاعلات وأدوارها وضبط كيفية توزيع السلطات بين بعضها البعض. ولكن تختلف هذه الحدود والمعطيات باختلاف النظام السياسي، بمعنى أن السيطرة المدنية على السلطة هي ممكنة من دون نظام ديمقراطي ولكن الديمقراطية وحدود علاقتها مع المؤسسة العسكرية هي ليست ممكنة في ظل وجود نظام غير مدني بالسلطة.

منذُ عام 1970، ارتفع معدل الدول الديمقراطية في العالم بشكل ملحوظ واستمر هذا التطور مع بعض الانتكاسات التي حدثت خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. فمثلًا في عام 2008، أظهرت بعض الإحصائيات التي تهتم بمسار الدول بأن هناك 119 من أصل 193 دولة تعتبر دول ديمقراطية، أي أن هناك 61.6% من دول العالم تتمتع بالحد المعقول من الديمقراطية كالانتخابات العامة والانتخابات الحرة. أما الدول المتبقية والتي لا تتمتع بالديمقراطية على أي مستوى من مستوياتها هي في غالبها دول تخضع تحت الحكم العسكري سواءً كان ذلك بشكلٍ مباشر أو بشكلٍ غير مباشر.

أشكال الأنظمة غير الديمقراطية:

هناك ثلاث أشكال للأنظمة الحاكمة غير الديمقراطية والتي يجد فيها الجيش نفسه قادرًا على اقتحام القرار السياسي من خلالها بشكل أسهل، أحد هذه الأشكال هي وجود الجيش بالسلطة بشكلٍ مباشر من خلال إدارته للبلاد وهو ما ينتشر غالبًا في دول أميركا الجنوبية والدول الأفريقية. أما الشكلان الاَخران للأنظمة غير الديمقراطية فهما  نظام الحزب الواحد، سوريا مثالاً ونظام الديكتاتورية الفردية كوريا الشمالية مثالاً، ففي هذين النوعين من أنظمة الحكم غير الديمقراطية يكون الجيش فاعلاً أساسيًا في السياسة ولكن بشكل غير مباشر وذلك يكون من خلال تقاسم السلطة السياسية مع الفاعلين المدنيين في رأس السلطة.

هذه المشاركة مع الجيش والتي يقدمها المدنيون تكون عادةً لضمان وجود الاستقرار للسلطة المدنية في اتخاذ القرار السياسي وعدم دفع الجيش إلى الانقلاب الكامل على النظام الحاكم المدني، خصوصًا أنه نظام غير ديمقراطي؛ فالانقلاب على هذا النظام لن يكون صعبًا في ظل عدم وجود معارضة شعبية للجيش حينما ينقلب بسبب أن الإنقلاب قام على نظام دكتاتوري حتى وإن كان نظامًا مدنيًا. ولكن الجيش يختار غالبًا عدم الانقلاب على السلطة المدنية متى ما تشاركت معها السلطة، لسببين مهمين: الأول، هو سبب اقتصادي يريد من خلاله الجيش بناء قاعدة اقتصادية كبيرة غير خاضعة للمراقبة من قبل أي سلطة في الدولة سواءً كانت سلطة تشريعية أو قضائية. وأيضًا لضمان أن هذه العمليات الاقتصادية تكون بعيدة جدًا عن أعين الشعب لعدم خسارة الدعم الشعبي متى ما قرر الجيش الانقلاب على السلطة المدنية.

أما السبب الاَخر فهو سبب سياسيٌ يضمن فيه الجيش قدرته على الدخول في العملية السياسية بشكل مباشر متى ما رأى أنه من المهم الدخول لتغيير الدستور أو السلطة المدنية مع ما يراه الجيش مهمًا بالنسبة للدولة. ولكن بعد ذلك يفضل الجيش دائمًا العودة مرة أخرى إلى ثكناته العسكرية، خصوصًا أنه ضمن أن الدستور قد تم صياغته بما يتفق مع رؤيته السياسية كما هو الحال في تركيا في الأعوام التي سبقت 2002.

العوامل الداخلية والخارجية للجيش:

يرتكز الجيش على عدة عوامل تساعده في كل انقلاب يقوم به، منها عوامل خارجية وعوامل داخلية. فمتى ما توافرت هذه العوامل يصبح الجيش قادرًا على الانقلاب دون الاهتمام بما إذا كان النظام المُنقلب عليه هو نظام ديمقراطي (حديث) أم لا. بالنسبة للعوامل الداخلية التي تدعم الجيش في إي انقلاب، فهي تقوم بشكل أساسي على الاقتصاد الذي يتمتع به الجيش والمفهوم الذي تقوم عليه المؤسسة العسكرية بالنسبة للجنود، فمثلا في تركيا ومصر والكثير من دول جنوب أميركا، يرى الجيش أن الفضل يعود له بوجود دولهم بشكلها الحديث. على الجهة الأخرى، فإن  العوامل الخارجية التي تدعم الجيش في انقلاباته هي قائمة بشكل أساسي على الأخطار المحيطة بالدولة، سواءً كانت هذه الأخطار أخطارًا خارجية أم داخلية كالإرهاب وانتشار الجماعات الانفصالية أو التوترات مع الدول الكبرى أو الفاعلين الدوليين.

هذه الأخطار المحيطة بالدولة هي بالتأكيد سوف تقود إلى وجود دعم وقبول شعبي للجيش بسبب الإحساس بالخطر الأمني الذي يواجه الدولة والذي قد يعبر عن فشل السلطة المدنية في إدارة الدولة وقيادتها الى الاستقرار، ولهذا تعتبر هذه الأخطار أحد العوامل المهمة التي يتحرك من خلالها الجيش بسهولة إلى السلطة السياسية متكأ على تزايد رصيد قبوله الشعبي والذي يجعل من مهمة خروجه من ثكناته العسكرية أمرًا ليس مكلفًا على الإطلاق .

إضافة إلى ذلك، تُعد الخلافات السياسية بين الأحزاب السياسية أو حتى الخلافات التي تنشأ بين الأعضاء الفاعلين من الحزب السياسي الحاكم عامل مهم لتدخل الجيش في العملية السياسية للبلاد. والتي قد تبرر بأنها البداية لفشل السلطة المدنية في تقديم متطلبات هذه المرحلة.

هناك الكثير من العوامل التي تساهم في فك القيود عن الجيش ليكون قادرًا على التحرك وتقديم نفسه كحلٍ بديلٍ عن السلطة المدنية، إلاّ أنّ  هناك الكثير من الطرق التي قد تستخدمها السلطة المدنية للحد من قدرة الجيش على الاستفادة من هذه العوامل المذكورة للقيام بانقلاب على السلطة المدنية.

العسكرتاريا والشرق الأوسط:

وبإسقاط هذه المفاهيم المرتبطة بالعلاقات المدنية-العسكرية بالسلطة على بعض دول الشرق الأوسط نكون أمام الكثير من الأمثلة المهمة والتي قد تساعدنا على فهم هذه العلاقة وحدودها بين المدنيين والعسكريين. وقد تكون مصر وتركيا من أهم هذه الدول التي لا يمكن لنا أن نتجاوزهما نظرًا للمنافسة الشديدة التي حدثت بين النخبة المدنية والقوات العسكرية خلال السنوات الماضية.

يشترك الجيش المصري والجيش التركي بنفس الاعتزاز الدائم حول الفضل الذي قدمته المؤسسة العسكرية في نشأة الدولة الحديثة في البلدين، وهذا ما يجعل القوات المسلحة هناك تجد الكثير من الصعوبة في تقبل الانصياع التام للسيطرة المدنية، خصوصًا وأن هناك غياب تام للمبررات التي تساهم في ذلك باستثناء تركيا في الفترة ما بعد محاولة الانقلاب في 2016.

وحتى نبسط تلك المبررات سوف أشرح بالتفصيل النموذج التي تتبعه دراسة العلاقات المدنية-العسكرية والذي تمت صياغته من قبل ديفيد كوهين وأوريل كرواسان، حيث افترضا أن معركة السيطرة بين العسكريين والمدنيين تدور حول خمسة دوائر لصنع القرار والتي يشتد فيها التنافس بين المؤسستين لبسط السيطرة وهي:

. وهذا يعني أن السيطرة المدنية أو العسكرية الكاملة تستوجبان السيطرة على هذه الدوائر بشكل تام ومن دون منافسة. ولكن مع ذلك كله فإنه من الممكن للمؤسسة العسكرية دائمًا أن تقوض سلطة النخبة المدنية بشرط أن تكون سلطة مدنية حديثة من خلال التدخل المباشر، وذلك بسبب الضعف الذي قد تواجهه هذه النخبة بإضفاء الطابع المؤسسي للسيطرة المدنية، وافتقارها إلى القدرة على رسم استراتيجيات طويلة المدى للحد من النفوذ العسكري السياسي.

هذا النموذج الذي تم تقديمه أخذ بعين الاعتبار أن هذه العلاقات المدنية-العسكرية هي نتيجة تفاعلات وسياقات محددة حسب الظروف والأحوال المحيطة بكل دولة. ويمكن لنا تقسيم هذا النموذج إلى ثلاث مسارات رئيسية هي: العوامل المبدئية التي تسبق فترة التحول الديمقراطي، والعوامل الخارجة عن إرادة الجيش،  وأخيرًا العوامل المتعلقة بالمؤسسة العسكرية. ونعني بالعوامل المبدئية شكل النظام السابق ومدى تفاعله مع المؤسسة العسكرية من حيث السلطات والامتيازات، أما العوامل الخارجة عن إرادة الجيش فهي تلك المتعلقة بتوازن السلطة بين المؤسسة العسكرية والنخبة المدنية دون تدخل أيا منهما، كحجم التأييد الشعبي للنخبة المدنية أو المؤسسة العسكرية ووجود مجتمع مدني فاعل على الأرض إضافة إلى وجود تهديدات خارجية وداخلية تهدد الدولة.  أما ما يتعلق بالعوامل المتعلقة بالمؤسسة العسكرية فهي متعلقة تمامًا بثقافة الجيش وتماسكه الداخلي إضافة إلى فاعليته الاقتصادية.

وبالنظر إلى هذا الشكل من الممكن لنا أن نرى بوضوح كيف استفادت تركيا من استراتيجيات التحكم والتي أفضت إلى فشل الانقلاب بفضل التأييد الشعبي ووجود مجتمع مدني فاعل تم بناءه بفضل الاستراتيجيات طويلة المدى التي اتبعها حزب العدالة والتنمية طوال فترة حكمه، وأهمها تجنب الصدام مع الجيش وعدم سحب مشاريعه الاقتصادية حتى أصبح تحرك الجيش نحو السلطة أمرًا مكلفًا جدًا قد يصطدم فيه بالشعب التركي وهو الذي حدث فعلاً في منتصف 2016. أيضًا من خلال هذا الشكل وبالمقارنة بين تركيا ومصر نستطيع أن نرى بوضوح كيف فشلت النخبة المدنية بمصر بأن تحصل على الدعم الشعبي نظرًا للانقسامات الكبيرة التي حصلت بين بعضها البعض بعد وصول جماعة الإخوان المسلمين للسلطة والتي فشلت في إضفاء الطابع المؤسسي على الدولة ولجأت إلى الاصطدام بالمؤسسة العسكرية للحد من نفوذها السياسي دون أي استراتيجيات واضحة، وهو ما ساهم بشكل مباشر في فقدان الدعم الشعبي والثقة بقدرة هذه النخب على إدارة الدولة في تلك المرحلة الحرجة.  

ويمكن اعتبار فترة حكم الرئيس المصري السابق حسني مبارك فترة ناجحة مع طول مدتها بما يتعلق بالعلاقات المدنية-العسكرية بسبب اتباعه استراتيجية تقاسم السلطة مع الجيش وإحلال القوى الأمنية الداخلية كقوى فاعلة في المجال العام وهي الاستراتيجية التي فشل عبد الناصر والسادات باتباعها. فالأول كان عسكريًا بامتياز فغابت النخب السياسية المدنية من الوجود وأصبحت دون تفاعل مع المؤسسة العسكرية، بينما اصطدم الأخير بالمؤسسة العسكرية كثيرًا حتى كادت أن تنقلب عليه لولا أنه قام بكشف هذه المخطط مبكرًا وحاكم من أسماهم بمراكز القوى داخل الدولة المصرية.

إن أهم الصعوبات التي تواجه القوى المدنية داخل الدول ذات الحكم العسكري الطويل كمصر وتركيا، هي عدم قدرة المؤسسة العسكرية على رؤية نفسها خارج التفاعلات المحيطة بالدولة. نظرًا لمساهمتها في نشوء هذه الدول بشكلها الحديث وهو ما يخلق حالة من عدم الثقة بهذه القوى خصوصًا وأنها تحاول إقصائها من المشهد السياسي بعد كل ذلك.  

دراسة العلاقات المدنية-العسكرية هي أحد أهم الدراسات التي تفسر لنا معضلات التحول الديمقراطي حول العالم، والتي دائمًا ما يتم اختزالها بضرورة وجود الأحزاب السياسية وفاعلية المجتمع المدني فقط. ولكن بالنظر إلى مدى قوة التأثير الذي تحمله العلاقات المدنية-العسكرية على مستقبل الدول واستقرارها خصوصًا وأن طبيعة هذه العلاقة وظروفها قد تساهم في بناء المؤسسات المدنية وتقود بنجاح أي عملية للتحول الديمقراطي، وبالوقت نفسه قد تكون هي الأداة التي من خلالها يتم إجهاض أي محاولة لبناء مجتمع مدني خارج سيطرة الدولة.

تريد قراءة المزيد؟
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
تسجيل
عضوا فعلا؟ تسجيل الدخول