1984
القومية الوطنية، السعودية
مازن العتيبي
X
ثمانية، من جديد
عبدالرحمن أبومالح

حتى أكثر الناس جهلًا بقضايا الرأي العام، وبالتيارات الفكرية في المملكة، يعرف أن هناك تيارين يسيطران على تلك الساحة. ألا وهما الليبرالية والصحوية. كانت الليبرالية موجة التّأمرك والاستغراب -على وزن استشراق- التي غزت العالم منتصف القرن الماضي. والصحوية، هي ردّ الفعل المحافظة التي تلتها في الثمانينات، والتي تعتمد على الدين كمحركها الأساسي. أي شخصية سياسية غير ملكية مرّت على المملكة خلال العقود الماضية يمكن تصنيفها بأريحية تحت أيٍ من الفريقين.

وظاهريًا، ما زال هذان التيّاران هما المسيطران، وما تزال الحرب بينهما هي المحرك الرئيس خلف أغلب قضايا الرأي العام في المملكة: ترخيص السينما، وإبقاء الولاية، والسماح بقيادة المرأة، كلها يمكن تقسيم أطرافها إلى أحد الفريقين.

إلّا أن طبيعة النقاش بينهما تغيّرت جذريًا. في قضية القيادة مثلًا، لم تكن حجج الليبراليين مؤخرًا مستمدّة من المنهج الغربي كما جرت العادة، ولا حجج الصحويين كانت فتاوىً وأدلّة شرعية هي الأخرى. وحتى التهم بينهم لم تعد كما كانت. من النادر الآن أن تسمع صحويًا يصف خصمه بالكفر أو الزندقة، أو ليبراليًا يتهم أحدًا بالتخلّف أو الوحشية. التهمة العظمى اليوم، والتي يتسلح بها ويتلقّاها كلا الطرفان، هي الخيانة للوطن والعمالة لأعدائه.

هذا الاختلاف في الاتجاهات، والتوافق في الطرق، يوحي إلى أن الرأي العام في المملكة قد اعتنق القومية الوطنية، مثله مثل بقيّة العالم.

"أنا وأخوي على ابن عمي، وأنا وابن عمي عالغريب"

قبل أسبوع، قام أحد الإعلاميين السعوديين بالتبلّي على معلقٍ تونسي، مقوّلاً إياه ما لم يقله. لم يكن هذا الإعلامي يشك بقدرة الجمهور على كشف تزييفه، ولم يكن خطأه بريئًا وإلا لكان اعتذر. إلا أنه عوّل على أن حب الوطن، والحمية للدم الأخضر، ستعطيه مناعةً تُعمي عن عيوبه وتغفر. وبالرغم من ردّة الفعل العنيفة ضده، قام عددٌ لا يستهان به من الأشخاص بالدفاع عنه، مستخدمين عباراتٍ مثل: “منبطحين”، “مثاليين”، “خونة”، ومثبتين بأن رهانه لم يكن خاسرًا. هذه الظاهرة التي عوّل عليها الإعلامي هي القومية الوطنية.

يصف الكاتب البريطاني جورج أورويل القومية الوطنية كالتالي:

"أعني بها أولاً الاعتقاد بأن البشر يمكن تصنيفهم كالحشرات، أن مجموعاتٍ من ملايين أو عشرات الملايين من البشر يمكن تصنيفهم بثقة تحت 'جيدين' أو 'سيئين'. وثانيًا، وهو الأكثر أهمية، أعني بها تصنيف النفس ورؤيتها كجزءٍ من أمةٍ -أي مجموعة- واحدة، ثم تنزيهها عن مقاييس الخير والشر، واعتبار أن مهمتك الوحيدة هي الدفاع عن مصالحها."

وإذا ما كنت تعتقد أن البشر يمكن تقسيمهم لفئات جيّدة وسيئة بناءً على مكان ولادتهم، وإذا ما كانت فئتك بالطبع جيدة، وفئة خصمك بالطبع سيئة، فإنك لن تتوانى عن التغاضي عن أخطاء ابن فئتك، ومساندته أيًا كان موقفه ضد أبناء الفئات الأخرى. في نهاية المطاف أسوأكم أفضل من أفضلهم. أو كما قالت العرب: “أنا وأخوي على ابن عمي، وأنا وابن عمي عالغريب”.

يستعجل أورويل -وأنا معه- بالتفريق بين القومية الوطنية، والوطنية. يقول أورويل أن الوطنية البحتة هي وطنيةٌ دفاعية. وهي الإخلاص لأرضٍ معيّنة، ومحبة طريقة العيش فيها، دون الرغبة في فرضها على الآخرين. بينما لا تبتعد القومية الوطنية عن كونها رغبةً في القوة.

إلّا أن الإختلاف الرئيس هنا هو أن الوطنية لا تكون إلا للوطن، بشكله المعروف عالميًا. بينما تشمل القومية الوطنية العديد من الأشكال. من الممكن أن تقتصر هذه القومية الوطنية على عرق معيّن، يعتبر هو الوطن فقط، كما هي القومية البيضاء في أميركا وأجزاءَ من أوربا. من الممكن أيضًا أن تكون هذه القومية الوطنية موجهةً لوطن غير وطنك، كأن تجلس جلسةً فرائحية بمناسبة فوز حزب ما، بانتخابات بلدٍ ما، دون أي فائدة عائدةٍ إليك.

إلا أنه حتى لو تمت تنقية القومية الوطنية من خيانة الوطن الأم، فكانت خالصةً له. ثم تمت تنقيتها من رجس العنصرية، فكانت تدافع عن حقوق أبناء الوطن كلهم دون النظر لخلفيتهم العرقية -وهو أمر نادرٌ جدًا-، فهي لا تزال أيدولوجيةً مسمومة.

يستعرض أورويل في مقالته المعنونة “ملاحظات على القومية الوطنية” -والتي كتبت على أعقاب الحرب العالمية الثانية-، ثلاثة سجايا تميّز القومية الوطنية. أما الكاتب الإيطالي أومبيرتو إيكو، فيستعرض في مقالته “الفاشية الدائمة” أربعة عشرَ سجيّة ينطبق أغلبها على القومية الوطنية.

استنادًا على مقالات أورويل وإيكو، وعلى ملاحظاتي لمناقشات الرأي العام في المملكة، سأتحدث عن عدّة سمات تجعل هذا التيّار أخطر من غيره.

التقاليد للجميع

ولِدت الفاشيّة، كأي حركة أخرى، لحل مشكلة معيّنة. إلا أن المشكلة هنا كانت صعبة التحديد.

تقول الكاتبة شيري بيرمان، أن الفاشية ولدت في أوربا أواخر القرن التاسع عشر كردّة فعل على الرأسمالية التي بدأت في الانتشار حينها. في ذلك الوقت تلاشت المجتمعات القديمة، تلك التي تشكلت حول القرى والمزارع، وهاجر أهلها إلى المدن الضخمة بحثًا عن وظائف جديدة.

عندما لم توفّر الحياة الجديدة الخلاص الذي كانوا ينتظروه، تحوّلت المدن من جنّات إلى سجون. وندم المهاجرون على مهاجرتهم. وأصبح خلاصهم الجديد في نبذ الحياة الحديثة، والعودة إلى الأصول التي صنعت منهم أمةً عظيمة في السابق.

وعندما تمزّقت أوربا بفعل الفاشية، منتصف القرن الماضي، كانت الأوطان العربية تخطو خطواتها الأولى نحو الحداثة المنشودة. اليوم، بعد أن تحدّثنا أيما تحديث، أصبحنا نحن أيضًا نعي الفراغ الناتج عن تهدّم نمط الحياة القديم. أبناء البادية الفسيحة ضاقت بهم شوارع المدينة الضيقة، وأصبحوا يبحثون عن أي سبب للخروج للبر، التنزّه والسمَر والمطَر، وحتى الصيد رغم شبعهم وندرة صيدهم. حتى أبناء القرية حيث الكل يعرف الكل، تقلّصت دائرة معارفهم، وأصبح الجار الأول والجار السابع سيّان في البُعد.

أسلوب الحياة الجديد هذا، مقرونًا بطرق تحصيل المعيشة التي لم تسبر أغوارها بعد، حيث لا تنفع نصيحة أبٍ ولا جد، خلَقت جوًا من الحنين غير المبرر إلى الماضي، باعتباره الخلاصَ لكل مشاكلنا. المعتنقون للقومية الوطنية أصبحوا مبشرين لهذا الحنين، واستغلّوه كمحرك رئيس خلف كل مطالبهم، باختلاف هذه المطالب وتناقضها.

المعضلة هنا أن الماضي، والتقاليد، كلها كلمات فضفاضة، ومن الممكن تحويرها لتعني أي شيء. الليبراليون، مثلًا، يجادلون بأن الماضي السعودي كان ماضيًا بسيطًا متفتحًا، لا تشكّل فيه ملابس النساء أو وجوههن خطبًا كبيرًا. في الجهة الأخرى يجادل الصحويين بأنه كان ماضيًا بسيطً محافظًا، لا تحتاج فيه النساء للتقاطع مع الرجال ليعشن حياتهن.

إلا أن المشكلة الحقيقية تظهر عندما يتطور صراع التيارات على تحديد النسخة الأصلية من الماضي، إلى صراع بين فئات المجتمع. المملكة أكبر، وأكثر تنوعًا، من أن توصف بقائمة معيّنة من العادات والتقاليد. ماضي الجنوب ليس ماضي الشمال، وتقاليد الشرق ليست هي تقاليد الغرب. ولأن الاختلاف، كما يقول إيكو، يعتبر جريمةً عند الفاشيين، فإن الاختلافات في التاريخ غالبًا ما يتم إنكارها، من أجل نسخة من الماضي تناسب المتحدّث والقضية. فيطمس تاريخ الفئة ذات التاريخ المزعج، ويرفع تاريخ الفئة ذات التاريخ المريح، ومن يتجرأ على الإنكار يوصف بالخيانة والتزييف. فحتّى لو آمنّا بأن الولاية نظام ذكوري قمعي، فإن القوميين الوطنيين الذين يؤمنون بهذا لا يجادلون به فقط، بل يجادلون بأنه لم يكن أبدًا جزءًا من تاريخنا، ولم يكن أمرًا مقبولًا من كل فئات المجتمع، بل كان تاريخًا دخيلًا غير أصيل.

وبهذا تتخطى وظيفة القومي الوطني رغبته في تغيير الحاضر، فيغيّر الماضي ليسهّل مهمته.

القضايا المختطفة

عندما بدأت حركة #هوية_الحجاز في 2016، شعرت وكأن حملًا كبيرًا أزيح عن كاهلي. للمرة الأولى، أرى أشخاصًا يشاركوني شعوري.

لا أريد أن أبالغ بوصفها معاناةً، في نهاية المطاف لم يكن أصلي محلّ شكٍ أو “سعوديتي” محل تهديد. إلا أن الشعور بانعدام الانتماء لم يكن أبدًا شعورًا جيدًا. في البلد التي يكبر الكل فيها بشعورٍ الانتماء إلى مكانٍ معيّن، جنوبيٍ ونجديٍ وحساوي، كان التفكير بأني “حجازي” أمرٌ بعيد المنال. كان للكلمة معنىً محددًا عند غالبية الناس، وكان ظاهرًا أن ذلك المعنى لا يشملني.

في نهاية المرحلة الابتدائية، عندما سألني أحد المعلمين عمّا إذا كنت نجديًا أم حجازيًا، اخترت الأولى دون تردد. بين هذين التصنيفين الأولى كانت الأقرب. وعندما بحثت لاحقًا عن تاريخ الحجاز، واكتشفت أن هناك مكوّنيْن أساسيين للمنطقة، وأني جزءٌ من المكون المهمّش إعلاميًا، لا أنكر أن الغضب كان أحد المشاعر الأولى. شعرت أنني جزءٌ من علاقةٍ أعمق مما قيل لي، علاقة كانت مبتورةً لجزءٍ كبير -ومؤثر- من حياتي. لذلك عندما رأيت #هوية_الحجاز وسمًا متداولًا على تويتر، شعرت بأن تجربتي لم تكن شاذّة، وآمنت بأن حلّ أزمة الانتماء، لي ولمن هم مثلي، كان على الأبواب.

بالطبع لم يلبث الوسم الذي خُلِق ليثبت وجود جزءٍ من الحجاز قبل أن يتحوّل إلى وسمٍ لتهميش الجزء الآخر. الصور التاريخية التي كان هدفها تثقيف السعوديين لفئة لا يهتم لها الإعلام، زاحمتها صورٌ هدفها الإنكار والتأجيج ضدّ الفئة الأخرى. امتلأ الوسم بحقائق يراد بها باطل، تذكيرٌ بأن بعضَ السعوديين أصولهم غير قبيلية، في إشارة لعدم انتمائهم للأرض أو للوطن. وللأسف، لم يبد على أغلبية المشاركين في الحركة أي نفور من هذه الموجة العنصرية. فجأة تحوّل وسم الفخر إلى نقطة ألم.

إلا أن السنتين التي تلت، كانت مجديَة بشكل غريب. اشتهر عشرات الأشخاص صاعدين على ذلك الوسم. وشاركت فيه كل شخصيةٍ إعلاميةٍ تبحث عن تأييد الجماهير قبل أي شيء. وبالرغم من كل العنصرية، والنفَس السيء الذي تبِع القضية، إلا أنها أصبحت قضيةً مسموعة. المشاهير الباحثون عن شهرةٍ أكثر، ساهموا في إشهارها، وكل الهجمات الشخصية والتخريبية ساهمت في إعطاء الأصوات العقلانية للحركة منبرًا أكبر. خلال سنتين، اتهم المشاركون في الوسم عوائل الحجاز بالخيانة، وبالعنصرية، وبالحقد، وبالتخريب المقصود، والتدليس على هوية الحجاز الثقافية. إلا أنهم أيضًا نجحوا بالوصول إلى فئة ضخمة من الناس، وحتى أبناء العوائل الذين لم يفكروا من قبل بالقبليين كحجازيين، أصبحوا يعون وجود جزء آخر من مجتمعهم.

كيف تستطيع أن تقنع القبَلي الحجازي، أنه بالرغم من أن هؤلاء القوميين قد حلّوا له مشكلةً أزلية، وساعدوه حينما لم يساعده أحد، إلا أنهم عنصريون وسيئين؟

كسب هؤلاء القوميون الوطنيون جمهورًا عريضًا لأنهم انتبهوا لمشكلة لم يكترث لها أحد من قبل. حتى من جهة عوائل الحجاز، نشَطت في الوسم فئة تستخدم نفس الأسلوب العنصري، تدّعي بأنها بنَت الأرض لوحدها، وأنها كانت الطبقة الحاكمة قبل فترة، وتصف الجهة الأخرى بأنها كسولةٌ متخلّفة، مستخدمةً أسطولها الخاص من الصور المهينة، حيث تلعب “الضبان” دورًا رئيسًا. ربما هم أيضًا استوعبوا أن القومية الوطنية هي السلاح الوحيد لتأجيج الجماهير حولك في هذه الحقبة.

سيمارس القوميون الوطنيون لاحقًا نفس استراتيجية الاختطاف مع قضايًا أخرى، أكبرها حجمًا، وأكثرها مأساويةً هي قضية التوطين.

هناك دائمًا عدو، حتى لو لم يكن

قضية التوطين ربما تكون أكثر قضيّة تم تحويرها وتغيير معناها خلال السنين الماضية.

أن تفضّل دولةٌ ما توظيف أبنائها، ليكونوا هم الأساس الذي يبنى عليه اقتصادها، هو أمرٌ بديهي. تتحول البديهية إلى ضرورةٍ عندما تعرف أن هذه الدولة هي المملكة العربية السعودية، إحدى أغنى دول العالم، وإحدى أكثرها في معدلات البطالة. معدّل البطالة بين المواطنين في المملكة هو 12.8%، ضعف المعدّل الطبيعي. الأعلى بين دول الخليج، أعلى من غانا والبرازيل وباكستان. السعودية أيضًا هي الثانية عالميًا من ناحية الحوالات المالية إلى الخارج، بقيمة 38 مليار دولار في عام 2017.

بيد أن هذه المشكلة لم تكن شيئًا جديدًا، حيث كان يعي بها الشعب والحكومة منذ عام 1975. إلا أن كل محاولات حلّها باءت بالفشل، وظلّت أعداد العاطلين تتزايد عامًا بعد عام. وبالرغم أن القوة العاملة السعودية تضخّمت هي الأخرى، إلا أن الموظِّف السعودي نفسه يفضّل العامل الأجنبي، لا لعوامل الإنتاجية المزعومة، أو حتى رُخص أُجرَته. بل لأنه يستطيع التحكّم بالأجنبي كما يشاء، من إخفاء الجواز، إلى التأخير في الراتب لشهور طويلة.

اليوم، حيث يستطيع أي شخصٍ التعبير عن رأيه بنقرة زر، تفجّرت سنينٌ من الضغط في وسوم تويتر. واستغلّها القوميون الوطنيون كما استغلّوا غيرها، محوّلينها من سياسةٍ منطقيةٍ محايدة، إلى هجوم انتقامي على أشخاص بريئين. أحاديث عن نكران الجميل وأكل رزق البلد، وصرخاتٌ تأمر بالرجوع إلى البلد الأم، وتتمنى الخلاص من العمّال الأجانب إلى الأبد. وهي أمنيةٌ غير منطقية، نظرًا لأن عدد العاطلين في المملكة مليون بينما عدد العمالة الأجنبية يتخطى 10 ملايين.

كل اعتداء ينفذه مقيم على مواطن ينتشر انتشار النار في الهشيم، صور حسابات الموظّفين الأجانب في LinkedIn تنشر على تويتر كأدلةٍ في محاكمة، سواءً أجرموا بالإساءة إلى السعودية أم لم يجرموا.

وإذا لم تكن هناك إساءة، لا مانع من اختلاقها. تستطيع البحث في تويتر عن هذا الحساب مثلًا (abdulazizsaad4). في التغريدات التي تذكره، ستجد عشرات الشتائم واللعنات موجهةٌ لشخصٍ اسمه “قاسم عجلاني”، اتهامات بمزاحمة ابن الوطن، عبارات طرد واشمئزاز، وتشمّتٌ بحال سوريا الآن. كل هذا بسبب تغريدات كتبها المدعو قاسم –تجدون صورها مع الشتائم– يشتكي فيها من مزاحمة المواطن للأجنبي. تغريدات قاسم بالطبع ساخرة، كتبها شخصٌ يدعى عبدالعزيز سعد كما يتضح من اسم حسابه، نال منه الكسل ما نال ليستصعب تغيير الحساب لتكتمل كذبته. هذا الكسل لم يمنع الكثير من تصديقه، وإفراغ ما في صدورهم من يأسٍ وقهرٍ عليه. “هوامير القومية” كانوا أيضًا في الخدمة، ولم يترددوا عن لوم “المنبطحين” على ظهور أشخاص مثل قاسم عجلاني، قاسم الذي ولِد لأنه كان يعرف أن عدّة كلمات بسيطة كانت ستعطيه انتباه الكثير من الأشخاص الغاضبين.

لهذا حتّى لو تجاهلنا الحسابات المزيّفة، والهجمات غير المبررة، فإن طبيعة الحوار التي يدور حولها موضوع التوطين، وغيره من المواضيع، أصبحت سامّة جدًا. هوامير القومية صاروا أشبه بتجّار الدم، يفرحون لكل إهانة أو تعدٍ على السعوديين، لأنها تثبت لهم أنهم كانوا محقّين، وتعطيهم فرصةً للتفاعل مع جمهورهم أيضًا.

لهذا يحرص هؤلاء على إبقاء خطٍ زمنيٍ مستمر من الكراهية، لأنها البيئة المناسبة لتفشّي هذا المذهب. القومية الوطنية هي رياضة كميّة لا نوعية.

الهوس

بالنسبة لأورويل، السجيّة الأولى للقوميين الوطنيين هي الهوس. يقول أورويل:

"بقدر ما يستطيع، لن يفكّر أي قومي وطني، أو يتكلم، أو يكتب عن أي شيء سوى أفضلية فئته.. ليس فقط في القوة العسكرية أو السياسية، بل في الفن، والأدب، والرياضة، وتركيب اللغة، وجمال السكان، وربما حتّى في الجو والمناظر الطبيعية والطبخ. بل سيظهر حساسيةً كبيرةً تجاه أشياء مثل طريقة ظهور الأعلام، أو حجم العناوين الإخبارية، أو حتى الترتيب الذي تُذكر فيه بعض البلدان."

وبالرغم من أن أورويل قد كتب هذا كلّه في أربعينيات القرن الماضي، إلا أنه من السهل تخيّله يكتبه وهو يتصفح إحدى الحسابات المذكورة آنفًا.

والقراءة في الخطوط الزمنية لأيٍ من هذه الحسابات القومية شبيه بالتحديق في وجه سيلٍ جارفٍ من الكراهية. كل فعل سيء يرتكبه الغريب سيعرض، كل فعل سيء يرتكبه ابن فئتي سيتم الدفاع عنه. قد تقضي أحيانًا ساعاتٍ في قراءة تغريدات حساب معيّن، لتكتشف أنك بالكاد قد قرأت نشاطه لأسبوعٍ واحدٍ فقط. وإذا كان التصفح فقط يجعلك تشعر بالحيرة والعجز، تخيّل مشاعر أولئك الذين يتابعونهم، ويتابعون عشرةً آخرين مثلهم. تخيّل مشاعرهم وهم يُفاجئون بعشرات التغريدات المخوِّنة والغاضبة. عشرات التغريدات التي تعرض أشخاصًا عنصريين يحقدون عليه ويريدون إيذائه.

عشرات التغريدات التي تعطيه عشرات الأعذار ليكون عنصريًا هو أيضًا. ليصاب بالهوس هو الآخر.

واستخدام مصطلح “سيلٍ جارف” مقصود في الأعلى. لأنه أينما حلّ هذا الهوس، فهو مثل السيل، لا يمكن التفاهم معه، لا يمكن مناقشته.

لا تناقش، لا بخير ولا شر

بالرغم من أنّ أورويل يذكر أن السجيّة الثالثة هي “اللاإكتراث بالحقائق”، إلا أنه حتى لو لم يذكرها لما ترددت في إضافتها هنا. كشخصٍ قضى السنين الأولى من شبابه في مناقشة المتطرفين عامّةً، والقوميين الوطنيين خاصّة، أعرف أنّه لا توجد مضيعةٌ أكبر للوقت من هذا.

على مر السنين تأرجحت أساليب نقاشي من المحترمة جدًا -تلك التي تمتدح 3 مرات قبل أن تنتقد مرّة-، إلى العنيفة والساخرة جدًا -وهي ضبط المصنع لنقاشات التواصل الاجتماعي مؤخرًا-. وكان الرابط المشترك بينها كلها أن الطرف لا يهتم بالحقائق، ولن يقتنع مهما تفننت في دحض حججه. وبسبب الهوس المذكور آنفًا، فكل حجّة مدحوضة يتبعها خمسٌ تحتاج إلى دحض. وكل قصة يُكتشف زيفها تنسى بسرعة ويأتي غيرها.

في سبتمبر الماضي، شاركت قناتي يوتيرن وتلفاز11 في احتفالات اليوم الوطني، حيث نشرت كلٌ منهما مقطعًا احتفاليًا كوميديًا على صفحتيهما في تويتر، “ايش يعني سعودي“، و”تحيّة لك“. المقطعان شبه متطابقان من ناحية الفكرة، كلاهما يستخدمان صورًا نمطية عن الشخصية السعودية، مثل “سوّاق العائلة” والتشاجر على دفع الحساب في حالة يوتيرن، أو التجمهر على الحوادث والتشاجر على دفع الحساب في حالة تلفاز. المقطعان يختلفان بالنهاية، حيث ينتهي مقطع يوتيرن برسالة لطيفة إلى رجال أمن المقدّسات المشرّفة، والجنود المرابطين في الحد الجنوبي.

المقطعان يختلفان أيضًا في ردّات الفعل. فبالرغم من أن مقطع يوتيرن انتهى بتلك الرسالة، وبالرغم من أن مقطع تلفاز عرض صورًا نمطيةً سلبية أكثر -في جزئية “الهياط” اللقطات تحاكي الاحتفالات القبلية-، إلا أن ردّات الفعل على مقطع يوتيرن أجمعت على أنه مقطع مهين، مذّل، يدس السم بالعسل، يقلل من السعودية والسعوديين. انطلق يومها وسم #يوتيرن_تسيء_للسعوديين، وطالب فيه الكثيرون وزارة الإعلام أن “توقف هذه المهزلة”، زاعمين أن الأصول العرقية للقائمين على القناة هي من دفعتهم إلى التجرؤ على إهانة البلد هكذا.

في الجهة الأخرى، أصبح مقطع تلفاز مفارقةً منطقية، حيث حقق أضعاف انتشار مقطع يوتيرن – 9 آلاف إعادة تغريد مقابل ألف -، دون أن يجذب أيٍ من الردود الغاضبة أو المخوّنة.

"وجدتها، وجدتها"

ومثل أرخميدس عندما اكتشف قاعدة الإنغمار، خرجت في الشارع أركض صارخًا: “وجدتها، وجدتها”. بالنسبة لي، كانت هذه المفارقة المنطقية هي الإثبات الذي انتظرته طويلًا. الآن، أستطيع أن أواجه العقلاء المشاركين في #هوية_الحجاز، وأوضح لهم كيف تحوّرت الحملة الثقافية إلى حرب عرقية. الآن لا يستطيعون الاختفاء خلف مقولات مثل: “هم إخواننا في الوطن ولا فرق بيننا وبينهم، لكننا نرفض التشويه أيًا كان مصدره”. توجّهت بسرعة إلى أحد العقلاء الذين كنت أعتقد، مقتنعًا بأنني سأكسبه في صفي، وسأقنعه على الأقل بالامتناع عن التصيّد وتخيّل الأعداء حيث لا يوجدون.

بدأت حوارنا بأن أريته الردود العنصرية على مقطع يوتيرن، وأقصد بالعنصرية هنا ليست تلك التي ترفض المقطع أو ترى فيه إساءةً، بل تلك التي استخدمت ألفاظًا أو إهانات عنصرية.

عندما رأيته يبرر العنصرية على أنها “ردّة فعل” -وهي عذر كل العنصريين، كلهم-، استوعبت أن لا فائدة من النقاش في هذه الجزئية، وسألته بالذات لماذا كانت ردّة الفعل تجاه مقطع يوتيرن ردّةً غاضبة.

عندما رأيت أن النقاش في طبيعة المقطع غير مجدٍ أيضًا، لجأت إلى السلاح السري، مقطع تلفاز ومفارقته العجيبة.

عندما رأيته يعتبر تغريدةً عاديّةً استفزازًا وتحديًا، لأنه كان يعتقد أنها صدرت من يوتيرن، ثم يتجاهلها كأنها لم تكن شيئًا عندما اتضحت له الحقيقة، اقتنعت أنه لا فائدةَ من النقاش كليًا.

ما حدث هنا تكرر مرّات ومرّات كثيرة، غالبًا ما يُغيّب المنطق في وجه جنون الجماعة. والاعتقاد بأنك ستقنع شخصًا بالرجوع عن تصريحاته العنصرية لأنك استخدمت أدلةً دينية أو منطقية هو اعتقاد ساذج. للكثير من الأشخاص، القومية الوطنية هي الدين والمنطق الجديدان.

وطنية

هذه الظاهرة لا تقتصر على المملكة.

ابحث في تويتر عن “عنصري لبلدي”، وستجد تغريداتٍ عنصريةٍ فخورة كثيرة، من سوريا، والكويت، والأردن، واليمن، ولبنان، ومصر، وكافّة البلدان العربية.

أما عالميًا، فهذه الظاهرة أخرجت بريطانيا من الاتحاد الأوربي، وأسقطت الحكومة الإيطالية، وأرسلت نجمًا تلفزيونيًا إلى البيت الأبيض. حتى اليابان، وهي البلد الحلم لكل قومي وطني، بسياسة هجرةٍ صارمة وتفوقها التقني المقرون بتمسكها بتقاليدها، حتى هي تواجه حركةً قوميةً وطنية. فبالنسبة لحزب “مؤتمر اليابان” مثلًا، كل هذا لا يكفي. فمثل غيرهم من الأحزاب القومية الوطنية، يطالب هذا الحزب بأشياء منطقية، مثل حق تكوين الجيش، ليمرروا أفكارًا أكثر تسممًا، كإنكار جرائم اليابانيين في مجزرة نانجينق.

فإذا كانت هذه ظاهرة عربية وعالمية، لماذا إذن ركّزت على انتقاد الحركة السعوديّة، وتركت العرب الذين يكيلون الشتائم للمملكة بحجّة الوطنية لبلدانهم؟ أو الغربيين الذين يبررون ابتزاز المملكة دفاعًا عن أوطانهم؟

الحقيقة هو أن هذه المقالة قد كتبت مرّات عديدة دون أن تنشر. قبل سنة عندما حدثت الضجة حول يوتيرن، وقبل 4 أشهر عندما ولِد قاسم عجلاني، وفي كل مرّة يقرر إعلاميٌ ما التسلّق على أكتاف الجنود المرابطين ليهين شخصًا أو يحصّل انتباهًا. إلا أنني في كل مرّة أتردد، خائفًا أن تكون المقالة ذاتها سببًا لانتشار هذا الاعتقاد أكثر. كنت أعتقد أنه لا يزال معتقدًا هامشيًا، وأن الغالبية ترفضه كما أرفضه. كنت أخاف أن أكون كالصحفيين الذين أعطوا “مشتهيًا للأطفال” مساحةً في صحيفتهم بحجة التحقيق، دون أن يعوا أنهم قد ساهموا في زيادة جمهوره.

وأسلوب التجاهل هذا لا يقتصر عليّ وحدي، فهو طريقة المجتمع المفضّلة للتعامل مع هذه الرسائل القومية الوطنية أيضًا. مثلي أنا قبل سنة، هم أيضًا يعتقدون أن هذه المشكلة مؤقتة وستزول، فتمر حجج القوميين دون رفضٍ علني أو إشارة. لم يدافع أحدٌ عن يوتيرن وقت أزمتهم، حتى هم أنفسهم. تغريدات التخوين والتأجيج تواجَه بالتجاهل أو بالسخرية، وكأن نتائجها السلبية لن تتخطى بعض الشتائم على تويتر.

إلا أن الأيام الماضية أثبتت أن القومية الوطنية هنا لتبقى.

مثلًا عندما قرر أحد الأشخاص أن يحذّر الناس من التبرّع بمعلوماتهم الشخصية في عريضةٍ غير رسمية، لم يتردد صاحب العريضة بتخوين الشخص والتأجيج ضدّه، بالرغم من مكانة صاحب العريضة الإعلامية. قبل 5 أو 6 سنوات كان مجرد التفكير بتخوين شخصٍ اختلف معك أمرٌ خارج حدود المعقول. أو عندما تهجّم موظّفٌ سعودي برمي الشاي على عاملٍ أجنبي، فبالرغم من ردّة الفعل الإيجابية الضخمة، إلا أن هذا لم يمنع أشخاصًا من التبرير للموظف، أو الدفاع عنه بحجّة “أين كنتم عن بقية الجرائم ضد السعوديين؟”. أو حتى رغبة البعض بتجنيس الأنبياء والصحابة، لأنهم لا يتخيّلون محبة أحدٍ لا ينتمي لجنسيتهم.

وكونها تيارٌ حقيقيٌ الآن، فيجب علينا كمجتمعٍ أن نواجهها كتيّار حقيقي. أليكس جونز الذي كان لسنين نكتةً يضحك على غبائها العقلاء، أصبح اليوم أحد أهم الإعلاميين السياسيين في أميركا. ونكتُ مقدمي البرامج الليبراليين على ترمب لم تمنع من انتخابه إلى البيت الأبيض. استيقظت نسبةٌ كبيرةٌ من الأميركيين -والغربيين بشكل عام- يومًا، ليستوعبوا أن إخوانهم في الوطن يناقضونهم في كل المبادئ، والمعتقدات التي ترفّعوا عن إنكارها أصبحت هي السائد اليوم.

وأنا أقول أننا يجب أن نرفض القومية الوطنية، لا لأننا شعب متسامح، أو لطيف، أو من باب حبنا للآخرين. بل يجب علينا رفضها من مبدأ أنانيٍ بحت.

في الحقيقة، وبالرغم من أن أذاها الظاهر يقع على أولئك الذين لا ينتمون للوطن، إلا أن القومية الوطنية هي عدوة نفسها الأولى، وضحيتها الأخيرة دائمًا هي الوطن التي تظاهرت بالدفاع عنه. المقيمون الذين جاءوا للعمل، في حال ازداد العداء لهم، سيبحثون عن مكان عمل آخر أو سيعودون إلى بلدانهم. مواطنو البلدان المجاورة، أولئك الذين آذتهم ألسنة المتحمسين، سيتفادون التعامل معنا قدر الإمكان.

إلا أن أبناء هذا الوطن هم من سيتحتم عليهم البقاء والعيش في مجتمعٍ قوميٍ وطنيٍ. أبناء هذا الوطن هم الذين يواجهون سيلًا لا يتوقف من التأجيج، سيلَ كراهيةٍ لا يختلف عن ذلك الذي واجهوه مطلع الألفية الثالثة ليقنعهم بأن الشيعة يبغضونهم ولن يترددوا بقتلهم في أقرب فرصة. وإذا كنّا سنأخذ عواقب ذلك التأجيج كعبرة، فلا يجب علينا أن نستبعد أن هذا الخطاب سيثمر عنفًا وتدميرًا هو الآخر. عنفًا وتدميرًا يتحمّل عواقبه أبناء هذا الوطن أيضًا. الأبناء الذين سيعيشون في مجتمع تحكمه الطبقات، ويحدد فيه اسمك الأخير مكان وظيفتك ونوعها.

و هذا هو سبب نقدي لهذه الحركة داخل المملكة وتجاهلي لها خارجها، لأنني أهتم بمصلحة بلدي أكثر من إهتمامي بمصلحة غيرها. لا أريد لهم الأذى، وساتضايق لو تضرروا. إلا أنني لن أهتم بهم قدر اهتمامي ببلدي.

بالطبع أرى السخرية في أن أكتب مقالةً طولها 3500 كلمة في نقد القومية الوطنية، لانهيها بقولي “لا أهتم ببقية البلدان غير بلدي”. إلا أنني أدعوكم لقراءة تفريق أورويل بين القومية الوطنية والوطنية مرةً أخرى. أنا مخلصٌ لهذه الأرض، وأحب طريقة العيش فيها، ولا أريدها أن تتشوّه.

تريد قراءة المزيد؟
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
تسجيل
عضوا فعلا؟ تسجيل الدخول