صحيفة گوركي

صحيفة گوركي

“الحرية هي أول خمس دقائق وُلدت فيها أبكي عاريًا، بلا أسم، بلا خطيئة، بلا توجهات، وبلا حقد بشرّي.”- مكسيم گوركي

ولد الروسي أليكسي مكسيموفيتش بيشكوف عام 1868، في عهد الإمبراطورية الروسية. توفي والده بمرض الكوليرا أثناء طفولته فتزوجت والدته وعاش هو تحت كنف جدّه وجدّته. بالرغم من قسوة جدّه عليه بالضرب نظرًا لطبيعة أليكسي المتمردة، إلا أنه علّمه القراءة والكتابة. أما جدّته فكانت حنونة تقصّ عليه الحكايات الشعبية.

أجبره الفقر على العمل في عمر الثماني سنوات في وظائف متعددة منها غسيل الصحون والعمل في مصنع. ثم هرب من المنزل عندما بلغ من العمر 12 سنة، وحاول الانتحار عندما كان عمره 19. وعند بلوغه الواحد والعشرين أصبح متشرّدًا يتنقّل بين الوظائف ويجول بقدميه في أرجاء روسيا لمدة خمس سنوات شهد فيها الفقر والبؤس الذي عمَّ البلاد.

بدأ بعد التجوّل الكتابة في جريدة تحت اسم مكسيم گوركي، حيث تعني كلمة گوركي بالروسية “مرّ” وهو اسم يعكس غضبه تجاه القيصرية الروسية، فقد كان يسلّط الضوء على الواقع المرّ من قسوتها وظلمها، مما تسبب باعتقاله وسجنه عدة مرات. كتب كتابه الأول “مقالات وقصص” الذي لاقى نجاحًا باهرًا وكان البداية لحياته الأدبية، التي استمرّ فيها ينقل معاناة الطبقات الدنيا على هامش المجتمع ويكشف عن مشاقّهم ومذلّتهم.

ذاع صيته كأديب وانخرط في حركة المعارضة وأنشأ مسرحه الخاص الذي سرعان ما تخلى عنه نتيجة حظر كل المسرحيات التي كان يود عرضها.

كان صريحًا بارتباطه بالحركة الماركسية الناشئة، حيث كان ماركسيًا متفانيًا يتبرع بعائدات أعماله لدعم قضيته. بالرغم أنه لم يكن عضوًا بشكل رسمي في الحزب، إلّا أنه كان على علاقة وطيدة مع فلاديمير لينين.

كتب بعدها عدة مسرحيات ذات طابع سياسي معارض للبرجوازية. كتب احدى مسرحياته عندما كان في السجن أثناء الثورة الروسية عام 1905. أرسله البلاشفة بعد خروجه من السجن في رحلة للولايات المتحدة لجمع الأموال للحزب، ثم استقر بعدها في المنفى في جزيرة كابري الايطالية هربًا من القمع الروسي.

بعد 7 سنوات، عاد من المنفى إلى روسيا بعد السماح له عام 1913، واستمر في نشاطه السياسي. ثم شهد اندلاع ثورة أكتوبر، التي كانت أحداثها مشابهةً للرواية التي كتبها في المنفى قبل أكثر من عشر سنوات، رواية “الأم”. تُعد الرواية نبوءة لنضال الثورة البلشفية وانتصار الشيوعية في روسيا القيصرية، وهي أشهر أعماله التي كتبها بحس أسطوري لنضال الشعب المقهور ضد هيمنة الطبقات البرجوازية.

استحسن لينين الكتاب وأثنى على ماكسيم عندما أخبره ماكسيم أنه كتبه على عجاله، فرد عليه:

لقد أحسنت بالإسراع، فقد كان هذا الكتاب ضروريًا، وكان هناك الكثير من العمّال يساهمون في الحركة الثورية بصورة لا شعورية عفوية، وربما أفادتهم قراءة “الأم” إفادة كبرى. هذا الكتاب جاء في وقته.”

إلا أن علاقته بلينين والبلاشفة توتّرت بعد ثورة أكتوبر، حيث لاحظ الناس اسوداد وجهه عند ذكر اسم لينين. وكتب عن لينين وليون تروتسكي مرافق لينين في الثورة، “أصبحوا مسمومين بسمٍ قذر القوّة، وسَحقوا حقوق الفرد لتحقيق أحلامهم الثورية” وكتب أن لينين كان “محتالًا بدم بارد. فهو لا يعرف الجماهير الشعبية، ولم يعش معها” كما قارن لينين بعالِم كيميائي يجري تجاربه في إحدى المختبرات، والفارق الوحيد هو أن الكيميائي جرب مادة غير حيّة لتحسين الحياة بينما كان لينين يجرب اللحم الحي لروسيا. كتب عدة مقالات وصف فيها لينين بطاغية بسبب اعتقالاته التي لا معنى لها، وبسبب قمعه الخطاب الحر.

عاد إلى المنفى في إيطاليا بعد اعتراضه على لينين واصابته بمرض السل.

بعد موت لينين تولى جوزيف ستالين مقاليد الحكم، ودعاه أن يعود إلى روسيا ليطيب خاطره، وقَبل مكسيم الدعوة. حصل مكسيم على وسام لينين ومنحه قصرًا في موسكو، الذي أصبح اليوم متحف گوركي. وسُمّيت أحد الشوارع المركزية في موسكو والطائرة ذات الجناحين على اسمه تشريفًا له.

اتحاد الكتّاب السوفييت

إلا أنه في نفس العام، صدر قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بإلغاء كل الجمعيات الأدبية، وعوضًا عن ذلك أسسوا “اتحاد الكتّاب السوفييت” وبهذا القرار سَجل التاريخ، نقطة تحول للأدب الروسي.

حُظر گوركي من السفر، وعُيّن رئيساً للاتحاد متماشيًا مع وجهة نظر ستالين التي تقول أنّ “الكتّاب هم تقنيّو الثقافة ومهندسو الروح”. وصف گوركي الاتحاد بأنه اتحاد لكل المهن الابداعية، والهدف هو توحيد الطاقات الابداعية للدولة وخلق انسجام في تحقيق أهداف الأفراد. كانت الدولة تردد الشعارات وتشجّع الأعمال الأدبية والقراءة.

عُقد المؤتمر الأول لاتحاد الكتّاب السوفييت بعد إنشائه بعامين، يوم 17 أغسطس سنة 1934، في إحدى قاعات مبنى مجلس النقابة في موسكو، المزينة جدرانه بصور الشعراء والكتّاب والفنانين الروس. حَضَر المؤتمر 700 من الكتاب والشعراء، وألقيت فيه خطب الأدباء ورؤساء تحرير الصحف والسياسيين، حيث وصلت فيه مدة الخطبة الواحدة إلى ثلاث ساعات!

كان گوركي أحد المتحدثين الرئيسيين، تحدّث عن توحيد وتطوير الأدب الروسي. ووصف الأدباء الروس “بالحاضر العظيم والمستقبل لأرض السوفييت” كما شمل الحديث تبجيل ستالين وذكر العبارات التي كان يقولها في خطبه. كان الخطاب سياسيًا ينتقد الطبقة البرجوازية.

تضايق الأدباء الذين حضروا المؤتمر، بل وملّوا وطفشوا حتى أنهم غادروا قبل أن ينتهي. انتقدوا گوركي وبقية الخطباء، كيف يتحدثون عن السياسة ويتركون الأدب الروسي وحلّ مشاكله؟! وذهب الممثل الثقافي للحزب الشيوعي فرحًا وكاذبًا على الزعيم ستالين. يقول أن الجميع أحبوه. نعم! حتى أولئك المشككين أحبوه كثيرًا يا زعيم.

إلّا أن ستالين اطلع على المراسلات بين الكتّاب التي اعترضها قسم الجواسيس في شرطة المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية. وعرف ما يجول في عقول الأدباء عن الاتحاد ومؤتمره. عرف الحقيقة، ووجد الجواسيسَ منشورًا كتب من قبل أدباء مجهولين يعبرون فيه عن غضبهم، ويصفون الاتحاد بالكذبة الكبرى، ويصفون شبكة مخابرات الاتحاد السوفييتي “بشبكة شاملة لدرجة أننا حتى في المنزل غالبًا ما نتجنب الحديث عن ما يجول في عقولنا.”

النهاية

من بين 700 كاتب حضر المؤتمر الأول للاتحاد، بقي منهم 50 فقط أحياء، ليحضروا المؤتمر التالي سنة 1954، أي بعد عشرين سنة من المؤتمر الأول، وبعد عامٍ من وفاة ستالين. وُجد معظمهم ميتًا في حملة التطهير الستالينية، فلم تكن هناك حاجة لمؤتمر ثانٍ، حيث حَقق المؤتمر الأول الأهداف المرجوة وجلب لستالين الأدباء تحت أقدامه.

فقد تبين أن إنشاء اتحاد الكتّاب السوفييت لم يكن إلا ستار دخاني لخطّتة. فقد كان الاتحاد دمية في يد ستالين وطريقة سهلة لتجميع النخب لتسهيل التحكم فيهم ومراقبتهم لإنتاج فن يليق بخططه السياسية وضخ أيدلوجيّاته. كما سمح له بتجميعهم في مكان واحد لتسهيل عملية التطهير.

أما گوركي، فقد تم وضعه تحت الإقامة الجبرية في منزله. أعقب ذلك الموت المفاجئ لابنه.

توفي گوركي، الذي رُشّح لجائزة نوبل خمس مرات المؤسس للتيار الأدبي المسمّى بالواقعية الاشتراكية، في يونيو عام 1936 من التهاب رئوي. إلّا أن التكهّنات حاصرت ظروف وفاته واشتبه بتسميمه وتسميم ابنه.

في جنازته، كان ستالين أحد الذين حملوا نعشه.


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×